منوعات

السكوت اللي خيم فجاه

الدرجة الثانية من السلم الفخار كانت مكسـ,ـورة من النص، وفتحي حس بخلعة في قلبه وهو بيميل بجسمه عشان يلحق توازنه، بس الصوت اللي همس في ودنه كان أتقل من أي واقعة. الصوت ما كانش غريب عليه، كان فيه بحة عارفها كويس، بحة السجاير الفلتر والرطوبة اللي بتاكل في صدر أصحابها. التفت فتحي بسرعة والسـ,ـكينة اللي في جيبه اتسحبت في ثانية، كشّافه المكسـ,ـور طالع منه شعاع أصفر ضعيف بيمـ,ـوت ويحيا على الحيطان المعفنة، بس لما لف، ما لقاش حد واقف على الدرج!

السلم كان فاضي تماماً، بس أثر القدم الطرية في التراب على الدرجة الأولى كان لسة بيفرز رطوبة، كأن اللي كان واقف لسة ماشي من ثانية واحدة. ـ راضي! أنت بتلعب معايا يا راضي؟ اقسم بالله لو طلعت دي لعبة منك لتكون أخر ليلة ليك فوق وش الأرض! صوت فتحي رد عليه بصدى صوت مكتوم، الحيطان الطين والمكونة من دبش ورشح مية الصرف كانت بتبلع الصوت وتطلعه أبح وزي ما يكون جاي من بير مهجور. من تحت خالص، من أخر الدهليز اللي ريحته عفن وطين محروق، جاء صوت راضي وهو بيضحك الضحكة المكسورة إياها، ضحكة واحد ما بقاش حيلته حاجة يخسرها.

ـ تعالى يا فتحي.. ما تخافش من الصوت اللي وراك، خاف من اللي مستنيك تحت! الصوت اللي سمعته ده هو الروح اللي أنت جيت تدور عليها، ولا فاكر إن اللي يدخل جحر السدرة بيخرج منه بذكرياته بس؟

فتحي نزل بقية الدرج وهو بيتنفس بسرعة، ضـ,ـربات قلبه كانت عاملة زي طبول المولد في ودنه، إيده المبلولة عرق ماسكة مقبض السـ,ـكينة بصرامة. الحارة فوق كانت بدأت تسكت، والناس تقفل شبابيكها عشان تدفا أو تهرب من البلاوي اللي عارفين إنها بتطبخ تحت الأرض، بس تحت.. الدنيا كانت عالم تاني خالص. الدهليز كان أضيق من إنه يشيل راجل بعرض فتحي، الحيطان الخشنة كانت بتبصم على كتف جاكتته الطين والجلخ، والريحة كانت بتزيد، ريحة زفر معفّن مخلوط بريحة البخور الجاوي اللي بيشغلوه الزار في السيدة.

مشى فتحي خطوات بطيئة وهو بيحاول ما يعملش صوت، كشافه المكسور كان بيلقط تفاصيل مرعبة على الحيطان: كتابات قديمة بلون أسود زي الهباب، ورسومات لكفوف إيدين مصبوغة بالحناء الممسوحة، وأسماء ناس من الحارة منهم اللي مات من عشر سنين ومنهم اللي اختفى ومحدش عرفله طريق. وقف فتحي فجأة لما الضوء وقع على حاجة بتلمع على الأرض. نزل على ركبته وشالها.. كانت فردة حلق فضة، حلق صغير على شكل ورقة شجر. فتحي صوابعه اترعشت، الحلق ده هو اللي اشتروه مع بعض من خان الخليلي يوم ما أخته “نعمة” نجحت في الثانوية.

ـ نعمة.. يا نعمة! الصرخة طلعت من صدره محروقة، هدت السكون الميت بتاع المكان. وفي لحظة، الضوء الضعيف بتاع الكشاف برمش وطفى خالص. الضلمة نزلت على عينيه زي سحابة كحل ثقيلة. الظلمة كانت كتافة، تقيلة لدرجة إن فتحي حس إنه مش عارف يتنفس، وكأن الهواء نفسه اتمسح من الدهليز. ـ ما تصرخش يا فتحي، الصوت هنا بيصحّي حاجات نامت من زمان.

الصوت المرة دي ما كانش جاي من قدامه، كان جاي من جنبه بالظبط، من فتحة صغيرة في الحيطة مش باينة. فتحي ضـ,ـرب بإيده في الضلمة، مسك قماش خشن، شد بقوة، سمع صوت جلابية بتتمزع وصوت جـ,ـثة بتقع على الأرض التراب. ولع القداخة الصفيح اللي في جيبه، النار الصغيرة هزت الضلمة، وشاف راضي قاعد على الأرض، وشوشته متقطعة من الدم، وعينيه الأعمى البيضا بتبص للسقف وابتسامته الصفرا زادت وسع. ـ فين أختي يا راضي؟ نطّقني بدل ما أقسمك نصين هنا وما حدش هيسمعلك حس!

راضي رفع إيده المرتعشة وشاور على الباب الخشب المصفح بالحديد اللي في أخر الدهليز، باب كانت المية نازلة من فوقه بتخر زي الدموع. ـ أختك ورا الباب ده يا فتحي.. بس قبل ما تفتح، لازم تسأل نفسك سؤال واحد: أنت جاي تنقذها، ولا جاي تتأكد إنها ماتت عشان ترتاح من الذنب؟ ـ ذنب إيه يا ابن الكلب؟ أنت اللي خطفتها! أنت واللي معاك في الحارة اللي بعتوها عشان السر بتاع آثار السدرة!

راضي ضحك بقوة لحد ما قعد يكح دم، وتفل على الأرض جنب رجل فتحي. ـ إحنا البعنا؟ هههه.. أنت اللي سلمتها بإيدك يا فتحي! نسيت الليلة إياها؟ نسيت لما جيتلي تشرب وتشتكي من الفقر وتقولي “أنا مستعد أبيع أي حاجة بس اخرج من الفقر ده”؟ نسيت الكاس اللي شربته معايا وكيس الفلوس اللي خدته ومسافرتش بيه بلاد برة وزوغت؟

فتحي حس بركبته بتخبط في بعضها، كأن حد ضـ,ـربه بمظلة على دماغه. ذكريات مبهمة، صور مكسورة من ليلة من خمس سنين، ليلة كان سكران فيها وطالع يجري في الشوارع، ووجه نعمة وهي بتبكيله وبتقوله “ما تسيبنيش يا فتحي”، وهو بيزقها ويقفل الباب. بس هو كان فاكر إنها سافرت مع جوزها! ده اللي الحارة كله كان بقاله سنين بيكرره! ـ أنت كذاب.. كذاب! أنت بتلعب بدماغي عشان أرحمك! ـ افتح الباب وشوف بنفسك.. المفتاح في جيبك يا فتحي، المفتاح اللي أنت شايله في ميداليتك من خمس سنين وفاكر إنه مفتاح شقة القناطر!

فتحي إيده نزلت لجيبه التاني، مسك الميدالية المصذية اللي شايلها معاه طول السنين دي. المفتاح النحاس العتيق اللي كان فاكره مفتاح شقة أبوه القديمة. حط المفتاح في قفل الباب المصفح، القفل أكل المفتاح وطلع صوت صفيح بيصدي، والباب اتفتح ببطء وصوت صرخة الحديد المصدي هزت المكان. جوه الغرفة القبو، ما كانش فيه جـ,ـثة، ولا كان فيه نعمة محبوسة وسلاسل. كان فيه شمعة مولعة في النص، وقاعدة على دكة خشب قديمة.. ست لابة شال أسود مغطي وشها، وماسكة في إيدها كراسة صغيرة، كراسة غلافها متقطع ومبلول.

الست رفعت رأسها ببطء، وفي الضوء الضعيف بتاع الشمعة، فتحي شاف الوش اللي طارد أحلامه خمس سنين. بس الوش ما كانش وش نعمة الشابة.. كان وش نعمة بس طالع فيه العجز، عينيها مطفية، وفيه جرح كبير واخد من أورمتها لحد خدها الشمال. ـ أهلاً بك يا أخويا.. تأخرت أوي على العشاء. فتحي السـ,ـكينة وقعت من إيده على الأرض الرخام المكسور، وصوت وقوعها عمل رنة طويلة. ـ نعمة؟ أنتِ.. أنتِ عايشة؟ إزاي؟ راضي قال.. الحارة قالت إنك…

نعمة قامت من على الدكة، مشيتها كانت مكسورة، رجلها اليمين بتتجر وراها ببطء شديد. قربت منه لحد ما بقت قصاده، ريحتها كانت ريحة بخور وورد مجفف ومقابر. ـ الحارة ما كذبتش يا فتحي، نعمة القديمة ماتت الليلة اللي أنت سبتني فيها للديابة دول يقطعوا في لحمي عشان يدوروا على الخبيئة اللي تحت البيت. هما فاكرين إن أبويا ساب دهب وآثار، وما كانوش عارفين إن أبويا سابلي سر أكبر من دهب الدنيا كلها.

ـ سر إيه؟ أنتِ بتتكلمي عن إيه؟ تعالي معايا، هخرجك من هنا، هجيبلك حقك من راضي ومن كل واحد في الحارة دي! نعمة ضحكت، ضحكة تشبه ضحكة راضي، بس كان فيها مرار أشد، مرار يقطع القلب. ـ تخرجني؟ أخرج أروح فين يا فتحي؟ الشارع فوق ما بقاش يعجبني، الناس فوق بياكلوا بعض في النور، إنما هنا في الضلمة.. الكل واضح. اللي جابك هنا مش خوفك عليا، اللي جابك هنا هو الخوف من السـ,ـكينة اللي في ضهرك!

فتحي اتلفت بسرعة، شاف راضي واقف عند الباب المفتوح، بس ما كانش لوحده. كان واقف وراه ثلاثة من كبارات الحارة، الوجوه اللي فتحي كان بيشوفهم كل يوم في الصوان وفي المسجد، الوجوه اللي كان بيسلم عليهم ويطلب بركتهم! المعلم متولي صاحب المخبز، والشيخ جاد بتاع المنسوجات، والأسطى حسين الميكانيكي. كل واحد فيهم ماسك في إيده حاجة: متولي ماسك حديدة ثقيلة، وجاد ماسك شوم، وحسين معاه حبل قنب عريض.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى