منوعات

السكوت اللي خيم فجاه

ـ ايه ده؟ أنتوا.. أنتوا متجمعين عليا؟ المعلم متولي خطى خطوة لجوه الغرفة، وشه الصارم اللي كان يبان فيه التقوى فوق، كان المرة دي ممسوح منه أي رحمة، عينيه كانت ضيقة زي عينين الثعلب. ـ السر لازم يفضل مدفون يا فتحي. أنت طول عمرك غبي، من خمس سنين لما اختك اكتشفت الوراق القديمة بتاعة الخبيئة، جيت أنت وبشربك وطمعك بوظت الدنيا، ودلوقتي راجع تسأل وتكعبس في الماضي؟ الحارة دي عايشة على خير الخبيئة دي من خمس سنين، المخبز، والورشة، والدكاكين.. كل ده مقومينه من السيراميك والقطع اللي بنطلعها حبة حبة من تحت السدرة.

ـ أنتوا بعتوا أختي؟ بعتوها عشان حبة فخار وآثار؟ الشيخ جاد اتكلم بصوت هادي وزي ما يكون بيلقي خطبة: ـ ما حدش باع حد يا فتحي. نعمة هي اللي اختارت تقعد هنا، هي اللي بتفك اللغز بتاع البرديات وتعرفنا ناكل عيش منين ونحفر فين، مقابل إننا نحميها منك ومن اللي زيّك. أنت اللي خاين، أنت اللي هربت بالفلوس وسبتها، ولما الفلوس خلصت جيت تدور على سبوبة جديدة! فتحي بص لنعمة بصة رجاء، عيونه كانت بتترجاه تدله على مخرج، تكذبهم، تقول إنهم جابرينها. بس نعمة بصلته ببرود تام، وشالت الكراسة الصغيرة وحطتها في جيب جلابيتها.

ـ هما ما كذبوش يا فتحي.. أنت اللي بعتني الأول. وهما ادوني الثمن.. حمايتي من شرك. ـ لا.. لا! أنتوا كلهم مجانين! دي عيلة مجانين وحارة معفنة! أنا هخرج من هنا وهبلغ المباحث، ههد الحارة دي فوق دماغكم كلكم! فتحي هجم على الباب بحركة سريعة زي السبع الجريح، زق الشيخ جاد بكتفه ووقعه على الأرض، وصرب المعلم متولي بالكشاف المكسور في وشه، الدم طرشق على الحيطة. ضـ,ـرب في الضلمة بيأس، يجري والخطوات وراه بتدب، صريخهم وصوت الشوم اللي بيخبط في الحيطان كان يرعب أي حي.

جرى في الدهليز الضيق، السلم الفخار كان قدامه على بعد خطوات، رأى شعاع الشمس الأخير اللي بيحتضر فوق على باب الحارة. حط إيده على أول درجة، وبدأ يطلع بسرعة، قلبه هيقف من الجري والتعب. بس لما وصل للدرجة الأخيرة، على عتبة الحارة بالظبط، شاف ظل واقف في الوش، ظل راجل عريض ماسك ساطور كبير. الظل رفع الساطور.. وفتحي غمض عينيه واستعد للصدمة، بس الصوت اللي طلع ما كانش صوت ضـ,ـربة ساطور.. كان صوت فرملة عربية بليس صرخت في أول الحارة، وأضواء الكشافات الزرقا والاحمرا ضـ,ـربت في وشوشهم كلها!

صوت الميكروفون رن في الحارة هز الشجر والمحلات: ـ المكان كله متحاصر! سلّم نفسك يا فتحي أنت واللي معاك! فتحي فتح عينيه بذهول، بص وراه شاف كبارات الحارة واقفين على السلم مش عارفين يهربوا فين، وبص قدامه شاف الملازم أول أحمد طالع من العربية ومعه رجالة المباحث وسـ,ـلاحهم مهدد على الكل. بس اللحظة اللي فتحي افتكر فيها إن الكابوس خلص وإن الحكومة جت تنقذه.. بص على أخر الدهليز تحت، شاف نعمة طالعة ببطء، ماشية في الضوء الأزرق بتاع عربيات الشرطة، وفي إيدها الكراسة الصغار.. وعلى وشها ابتسامة مش متفسرة.

قرب الملازم أحمد من فتحي، وحط الكلبشات في إيده بقوة. ـ مقبوض عليك يا فتحي بتهمة قـ,ـتل أختك نعمة من خمس سنين، وبتهمة التزوير والبلاغ الكاذب! فتحي اتصدم، لسانه اتقطع، بص للملازم وبص لنعمة اللي كانت واقفة جنب عربية البوليس بتفرك إيدها وهيا بتعيط تمثيل أمام الضابط! ـ قـ,ـتل مين؟ أختي اهي! أختي واقفة قدامك اهي يا باشا! اسألها! هي عايشة! هما كانوا حابسينها تحت! الملازم أحمد بص لفتحي بقرف وهز رأسه:

ـ أختك نعمة ماتت وادتفنت من خمس سنين يا فتحي، وعظمها طلعناه الصبح من شقة القناطر بناءً على البلاغ اللي قدمته الآنسة “زينب”.. أختك التوأم اللي أنت فاكر إنك دافن سرها! فتحي اتسمر في مكانه، العرق جمد على وشه. بص للست اللي واقفة هناك.. للوش اللي كان فاكره نعمة، للغرفة القبو، للناس بتوع الحارة اللي كانوا باصين للست دي برعب أكتر منه! الست قربت من فتحي، وشوشته في ودنه بصوت واطي ومفيش حد سامعه غيره:

ـ نعمة ماتت يا فتحي بس أنا زينب.. وأنا اللي خططت لليلة دي من خمس سنين، والنهاردة الدور عليك عشان تدخل الجحر اللي دفـ,ـنتونا فيه بالحي! الضابط زق فتحي جوة بوكس البوليس، والباب الاتقفل بصوت طخ ثقيل. البوكس بدأ يتحرك في شوارع القاهرة الضيقة، وفتحي باصص من الشباك الحديد المربع على الحارة اللي بتبعد ببطء.. وفي نص الشارع، كانت زينب واقفة ماسكة الكراسة، بتفتحها وبتولـ,ـع فيها نـ,ـار بقداخته الصفيح اللي وقعت منه تحت.. وقبل ما البوكس يلف من على أول الشارع، شاف زينب بتبص للضابط الملازم أحمد بابتسامة متفهمة.. وبتحط إيدها في إيده!

تفتكر زينب هي فعلاً أختهم التوأم اللي محدش يعرف عنها حاجة، ولا الملازم أحمد نفسه جزء من اللعبة اللي حفرتها الحارة تحت شجرة السدرة؟

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى