منوعات

اوقات اكتر شخص بنثق فيه هو اللي بيخبي اكبر كذبه في حياتنا

سمر ما نمتش الليلة دي. فضلت قاعدة على طرف السرير تبص لكريم وهو نايم بكل هدوء، كأنه معملش حاجة، وكأن السنين اللي ضاعت من عمرها كانت مجرد كدبة صغيرة بالنسبة له. كانت كل لحظة عاشتها معاه بترجع قدام عينيها. كل مرة قالت لنفسها إنه أكيد مكسوف إنه مش لاقي شغل. كل مرة كانت تخبي عنه تعبها وتضحك في وشه عشان ميحسش إنه حمل عليها. دلوقتي بس فهمت إنها كانت الضحية الوحيدة في المسرحية دي.

مع أول ضوء للنهار قامت وكأن مفيش حاجة حصلت. حضرت الفطار، وصحيته بابتسامة هادية. قال وهو بيفرك عينيه: “ادعيلي النهارده… يمكن ربنا يكرم.” ابتسمت وقالت: “إن شاء الله… ربنا بيكشف الحق في وقته.” بصلها ثواني واستغرب نبرة صوتها، لكنه تجاهلها وخرج. أول ما الباب اتقفل، سمر فتحت صندوق الأحذية اللي كانت حافظة فيه كل الفواتير والإيصالات من أول يوم جواز. فضلت ترتبهم واحد واحد. فاتورة الحديد. فاتورة الأسمنت. إيصالات التشطيب.

عقود شراء الخشب. حتى الأجهزة الكهربائية كانت باسمها هي. كل حاجة كانت بتثبت إن البيت ده اتبنى من شقاها هي، مش من فلوس كريم. بعدها راحت للبنك اللي كانت بتحط فيه تحويش عمرها. طلبت كشف حساب كامل من يوم ما فتحت الحساب. ولما الموظف طبع الأوراق، اكتشفت إن مفيش مرة واحدة كريم حط جنيه واحد في الحساب. خرجت من البنك وهي حاسة إن الصورة بدأت تكتمل. لكن كان لسه ناقصها تعرف الست التانية دي مين.

رجعت وقفت قدام العمارة اللي شافته دخلها امبارح. استنت لحد ما الست خرجت ماسكة إيد البنت الصغيرة. سمر قربت منها بهدوء وقالت: “لو سمحت… البنت دي اسمها رنا؟” الست ابتسمت وقالت بفخر: “أيوة… بنتي.” وساعتها سألتها سمر السؤال اللي كان هيقلب كل حاجة. “وجوزك… اسمه كريم منصور؟” الست ضحكت وقالت بثقة: “طبعًا… إحنا متجوزين بقالنا سبع سنين.” الكلمة نزلت على سمر كأنها صاعقة. سبع سنين… يعني بعد سنة واحدة بس من جوازه منها، كان بدأ حياة تانية كاملة.

لكن اللي الست قالته بعدها، خلاها تحس إن الحقيقة لسه مخبية الأسوأ… الست ابتسمت وهي بتعدل شنطة بنتها وقالت بكل تلقائية: “هو كريم مقالش لحضرتك علينا قبل كده؟” سمر حسّت إن قلبها وقف، لكنها تماسكت وقالت وهي بتحاول تبان هادية: “لا… أصل أنا كنت أعرفه من زمان وحبيت أسلم عليه لو شوفته.” الست ابتسمت وقالت: “أكيد هيفرح لما يعرف إن حد من أصحابه شافني. هو طول عمره بيقول إن معندوش حد من قرايبه، وإن أهله كلهم مسافرين.”

سمر ابتسمت ابتسامة باهتة وسابتهم يمشوا، لكن عقلها كان بيلف في ألف اتجاه. الراجل اللي عاش معاها تمني سنين كان عامل لنفسه حياة تانية، وحذفها تمامًا من وجوده. فضلت تراقبه كام يوم من غير ما يحس. كل يوم نفس المواعيد. الصبح يدخل الشركة. بعد الشغل يروح للشقة. يقضي هناك ساعات، يذاكر للبنت، ينزل يشتريلها لعب، وياكل مع الست كأنهم عيلة سعيدة. وبعدها يرجع بالليل لبيته مع سمر، يمثل دور الزوج الغلبان اللي لسه بيدور على فرصة شغل.

وفي يوم وهي بتراجعه من بعيد، شافته داخل مكتب محامي معروف. استنت بره أكتر من ساعة. ولما خرج، كان ماسك ملف أزرق. أول ما ركب العربية، سمر دخلت المكتب وسألت السكرتيرة. قالت لها بابتسامة: “حضرتك عندك معاد؟” ردت سمر: “كنت جاية أسأل عن الأستاذ كريم منصور.” السكرتيرة قالت من غير ما تشك في حاجة: “حضرتك تقصدي الأستاذ اللي كان هنا من شوية؟ خلاص كل أوراق نقل الملكية والرهن بقت جاهزة، فاضل التوقيع يوم الاتنين.”

الكلمات وقعت على سمر زي السـ,ـكينة. يعني الموضوع مش مجرد تفكير. كل حاجة اتنفذت بالفعل. رجعت البيت، وقعدت قدام صور جوازهم القديمة. مسكت صورة ليهم وهما بيبنوا أول أوضة في البيت. كانت هدومها كلها تراب، وهو واقف جنبها بيضحك. دموعها نزلت غصب عنها. لكنها مسحتها بسرعة. وقالت لنفسها: “لا… أنا مش هعيط على واحد باعني من زمان.” وفي نفس الليلة، كريم دخل البيت مبتسم بشكل غريب. حط ظرف على الترابيزة وقال: “أخيرًا يا سمر… لقيت شغل، وهيبدأوا يطلبوا مني أوراق كتير، وممكن أحتاج إمضتك على كام ورقة روتينية.”

سمر بصت للظرف… وعرفت في نفس اللحظة إن الورقة اللي بيحاول يخليها تمضيها هي أول خطوة علشان يسـ,ـرق البيت كله. ابتسمت في وشه، ومدت إيدها ناحية القلم… لكن اللي كانت ناوية تعمله قبل ما توقع، كان هيقلب حياة كريم كلها في ثواني. سمر مسكت القلم وبصت لكريم وهي مبتسمة، لدرجة إنه افتكر إنها صدقت كل كلمة قالها. قال بثقة: “بصي يا سمر، دي مجرد إجراءات روتينية عشان الشركة الجديدة. إمضي هنا وهنا وخلاص.”

سمر قلبت الورق بهدوء، كأنها مش فاهمة أي حاجة، لكنها كانت قرت كل كلمة قبل كده. رفعت عينيها وقالت: “ينفع آخد الورق أقراه براحتى؟” وش كريم اتغير للحظة، لكنه رجع ابتسم وقال: “هو في إيه يعني؟ إحنا بينا عشرة عمر، هو إنتِ مش واثقة فيا؟” ردت بابتسامة هادية: “بالعكس… عشان واثقة فيك، أحب أفهم أنا بمضي على إيه.” اضطر يسيب لها الملف، لكنه فضل طول الليل متوتر، وكل شوية يبص عليها وهي ماسكة الورق.

أول ما نام، سمر خرجت من البيت ومعاها الملف كله، وراحت لمحامي رشحهولها واحد من زباينها القدام. المحامي قعد يقلب في الأوراق دقيقة ورا التانية، وفجأة رفع راسه وقال: “لو حضرتك كنتِ مضيتي، كان جوزك هيبقى من حقه يرهن البيت، ولو القرض متسدّش، البنك كان هيستولى على البيت بالكامل. والأسوأ إنك كنتِ هتبقي شريكة في الديون.” سمر غمضت عينيها وهي بتحاول تستوعب اللي سمعته. المحامي كمل: “بس واضح إنه استعجل، لأن معظم المستندات اللي قدمها فيها بيانات مش مطابقة، وفيها إقرارات كاذبة. ولو قدمنا بلاغ بالأوراق دي، هيبقى في مشكلة كبيرة بالنسبة له.”

خرجت سمر من عند المحامي وهي أول مرة تحس إنها مش ضعيفة. بدل ما ترجع البيت، راحت للشركة اللي كريم شغال فيها. طلبت تقابل مدير الموارد البشرية. في البداية رفضوا، لكن لما وريتهم قسيمة الجواز وصورة بطاقة كريم، وافقوا يسمعوها. قالت بهدوء: “أنا مش جاية أعمل فضيحة… أنا جاية أعرف الشركة إن مدير عندكم مقدم مستندات فيها بيانات غير صحيحة، ومستخدم وظيفته في عمليات نصب.” المدير اتفاجئ، وطلب منها كل المستندات اللي معاها.

سمر سلمته نسخ من الأوراق وإيصالات تثبت إن البيت باسمها وإن مصدر بنائه من فلوسها، وكمان نسخة من طلب الرهن. المدير قال لها: “هنحقق في الموضوع بسرية تامة.” بعد يومين، كريم رجع البيت وهو متوتر جدًا. فضل يلف في الشقة وهو بيتكلم في التليفون بصوت واطي. وبعدين خرج بسرعة من غير ما ياكل. سمر قررت تراقبه للمرة الأخيرة. لكن اللي شافته اليوم ده، خلاها تعرف إن اللعبة خرجت من مجرد خـ,ـيانة…

لأنها شافته واقف قدام عربية، بيسلم حقيبة سوداء لرجل غريب، والرجل بعد ما فتحها، بص لكريم بغضب شديد وقال: “إنت وعدتني إن كل حاجة جاهزة… لو الخطة دي فشلت، إنت اللي هتتحمل النتيجة.” سمر وقفت بعيد، وقلبها بيدق بعنف. لأول مرة، بدأت تشك إن كريم مش مجرد زوج خاين… وإن السر اللي مخبيه أكبر بكتير من أي حد كان يتخيل. سمر فضلت مستخبية بعيد وهي شايفة كريم بيسلم الشنطة للرجل الغريب. بعدها الراجل فتحها بسرعة، وعد الفلوس، وبص له بغضب وقال: “دي آخر فرصة ليك… يوم الاتنين لازم البيت يبقى مرهون والفلوس في حسابنا، غير كده اعتبر إنك متعرفناش.”

سمر سجلت كل اللي حصل بالموبايل من غير ما حد يحس. تاني يوم الصبح راحت للمحامي، وسلمته الفيديو مع كل المستندات اللي كانت جمعتها خلال الأيام اللي فاتت. المحامي ابتسم وقال لها: “دلوقتي بقى معانا دليل كامل.” وفي نفس الوقت، الشركة اللي كريم شغال فيها كانت بدأت تحقق معاه بعد البلاغ اللي قدمته سمر. جاء يوم الاتنين… اليوم اللي كريم كان فاكر إنه هيبقى بداية حياته الجديدة. دخل مكتب الشهر العقاري وهو لابس بدلة جديدة، والست التانية قاعدة مستنياه برا وهي بتحلم بالسفر والحياة اللي وعدها بيها.

أما سمر… فدخلت بعده بدقايق ومعاها المحامي. أول ما الموظف طلب توقيعها، قالت بكل هدوء: “أنا مش همضي… لأن المستندات دي كلها مبنية على بيانات مزورة.” كريم اتجمد مكانه. وقبل ما ينطق، دخل اتنين من رجال الشرطة بعد البلاغ اللي كان المحامي قدمه. الضابط قال: “أستاذ كريم منصور… حضرتك مطلوب للتحقيق في وقائع تزوير، والشروع في الاسـ,ـتيلاء على ممتلكات، وإخفاء دخل، والنصـ,ـب.” وش كريم اصفر، وبص لسمر كأنه أول مرة يشوفها.

فضل يقول: “والله في سوء تفاهم… دي مراتي وهتشرحلكم.” سمر ردت وهي ثابتة: “لا… أنا هقول الحقيقة بس.” الست اللي كانت معاه جريت ناحيته وهي بتصرخ: “إيه ده؟ يعني إنت كنت متجوز؟” كريم حاول يبرر، لكن سمر طلعت قسيمة الجواز، وصور البيت، وإيصالات البناء، وكشوف الحسابات، وكل حاجة كانت بتثبت إنه عاش تماني سنين بيضحك عليها. الست التانية بكت، وشدت بنتها ومشيت من غير حتى ما تبصله. أما الشركة، فأعلنت فصله بعد ما اكتشفت إنه قدم بيانات كاذبة واستغل منصبه.

والمحكمة بعد شهور حكمت ببطلان كل إجراءات رهن البيت، وأثبتت إن البيت ملك لسمر وحدها لأنه اتبنى من تعبها وأموالها، مع محاسبة كريم على المخالفات اللي ارتكبها. بعد سنة… كان بيت سمر بقى أكبر من الأول. وسعت مشروع الأكل، وفتحت مطبخ كبير، وبقى عندها أكتر من عشرين ست بيشتغلوا معاها، وكانت دايمًا تقول لهم: “الستر الحقيقي إن الإنسان يعتمد على نفسه، مش على وعود حد.” وفي يوم وهي واقفة قدام البيت اللي بنت كل طوبة فيه بإيديها، افتكرت أول مرة كريم قال لها: “أنا بدور على شغل.”

ابتسمت وقالت لنفسها: “كنت فاكرة إنك سـ,ـرقت عمري… لكن في الحقيقة إنت علمتني أكبر درس… إن اللي بيتعب بعرقه عمره ما بيضيع حقه.” أما كريم… فخسر وظيفته، وخسر البيت، وخسر الست اللي خدعها، وخسر سمعته، وبقى وحيد يدفع تمن كل كذبة عاش بيها. وسمر أخيرًا بدأت الحياة اللي كانت تستحقها من أول يوم… حياة مبنية على الصدق، مش على الخداع. تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى