يا بتبدأ من جديد… يا بتحاول توقع اللي حواليها.” … من اليوم ده… الشرطة زودت المرور حوالين البيت. وأبويا رفض يخرج لوحده. كنت كل يوم أعدي عليه. أطبخله. وأشرب معاه الشاي. وأرجع شغلي. ورغم إني كنت بحاول أبان قوية… إلا إني كنت بحلم بأحمد كل ليلة. أصحى مفزوعة. حاسّة إنه واقف قدام الباب. أو مستخبي تحت البلكونة. أو بيراقبني. … وفي يوم… وأنا خارجة من المكتب. لقيت عربية سودا واقفة بعيد.
جواها راجل لابس كاب. أول ما شافني… دور العربية ومشي. قلت يمكن أوهام. لكن تاني يوم… العربية رجعت. وثالث يوم كمان. بلغت العم سيد. بعد نص ساعة كان موجود. وقف بعيد يراقب. وفجأة… العربية ظهرت. العم سيد اتحرك بسرعة. لكن أول ما قرب… العربية هربت. قدر يسجل رقمها. ولما استعلم عنها… طلع إنها باسم واحد من رجالة إبراهيم الجندي. يعني… الموضوع ماخلصش. … بعد يومين… إبراهيم بنفسه طلب يقابلني. رفضت.
رجع بعت مع واحد رسالة. “قوليلها… الفلوس لازم ترجع.” ضحكت. وقلت للراجل: “أنا مديونتش حد.” رد وهو بيبصلي بثبات: “إنتي مراته.” قلت: “لا… أنا مطلقته.” سابني ومشي. لكن قبل ما يركب عربيته… لف وقال: “ديون أحمد… لسه ماخلصتش.” … في الليلة دي… أنا وأبويا والعم سيد قعدنا نفكر. قال العم سيد: “إبراهيم مش فارق معاه أحمد… هو بيدور على أي فلوس.” قلت: “يعني ممكن يحاول يضغط علينا؟” قال: “وده المتوقع.”
أبويا بصلي وقال: “متخافيش.” قلتله: “مش خايفة على نفسي… أنا خايفة عليك.” ابتسم وقال: “يا بنتي… أنا اتعلمت من الحياة إن الحق ساعات بيتأخر… بس عمره ما بيضيع.” … بعدها بأسبوع… وصل استدعاء جديد. النيابة طلبت شهادتي في ق\ضية تانية. استغربت. روحت. وهناك… المحقق حط قدامي ملف كبير. وقال: “إنتي تعرفي الناس دول؟” فتحت الملف. كان فيه صور. رجالة وستات كبار في السن. أكتر من عشرين أسرة. كلهم وقعوا بنفس الطريقة.
جواز… ثقة… أوراق… تزوير… واستيلاء على الأملاك. أحمد ماكانش بيشتغل لوحده. كان جزء من شبكة كاملة. وشهادة كل واحد فيهم… كانت شبه التاني. واحدة قالت: “خد بيت أبويا.” واحد قال: “باع أرض جدي.” واحدة تانية قالت: “خلاني أمضي على ورق وأنا فاكرة إنه عقد تأمين.” ساعتها جسمي كله قشعر. يعني… لو أبويا ماكانش شك فيه… كان زماننا إحنا كمان مجرد رقم جديد في الملف. … وأنا خارجة من النيابة… بصيت للسماء.
وأول مرة من سنين… حسيت إن أمي شايفانا. ابتسمت من غير ما أحس. وركبت العربية. لكن قبل ما أوصل البيت… رن تليفوني. كان رقم مجهول. رديت. الصوت كان واطي جدًا. وقال جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي: “إحنا عرفنا أبوكي خبّى الحاجة فين…” وقبل ما أتكلم… قفل الخط. وقتها بصيت ناحية بيت أبويا… وحسيت إن الكابوس الحقيقي… لسه ما بدأش.
الفصل الخامس فضلت أبص في شاشة الموبايل بعد المكالمة…
الجملة كانت قصيرة جدًا. “إحنا عرفنا أبوكي خبّى الحاجة فين.” لكن وقعها عليّا كان تقيل. بصيت ناحية العم سيد اللي كان سايق العربية، ومديتله الموبايل من غير ما أتكلم. قرأ الرسالة أكتر من مرة، وبعدها قال بهدوء غريب: “هما بيراهنوا على إننا نخاف.” قلت وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي: “بس هما يقصدوا إيه بالحاجة؟ إحنا معندناش حاجة مستخبية.” رد من غير ما يبصلي: “يمكن يقصدوا ورق… ويمكن فلوس… ويمكن فاكرين إن أبوكي مخبي دليل جديد.”
… وصلنا بيت أبويا. لقيته قاعد في البلكونة، بيشرب شاي، وكأنه مستنينا. أول ما شاف وشوشنا، عرف إن في حاجة. قال: “خير؟” حكيتله كل اللي حصل. فضل ساكت دقيقة كاملة. وبعدين قام من مكانه، ودخل أوضة النوم. رجع بعد شوية، ومعاه علبة صفيح قديمة. حطها على الترابيزة. فتحها. كان جواها صور قديمة… وشهادة جواز أمي… وشوية خطابات كانت بتبعتهم له وهو في الجيش. استغربت. قلت: “إيه ده؟” ابتسم وقال: “دي الحاجة الوحيدة اللي مخبيها.”
اتنفست براحة. لكن العم سيد هز راسه وقال: “واضح إنهم بيدوروا على حاجة تانية.” … تاني يوم الصبح… وأنا داخلة المكتب… لقيت ظرف أبيض محطوط تحت الباب. ماكانش عليه اسم. فتحته. كان جواه صورة. أنا… وأبويا… وإحنا قاعدين بنشرب شاي في البلكونة امبارح. الصورة كانت متصورة من بعيد. من عمارة قدامنا. اتجمدت مكاني. في ضهر الصورة مكتوب بقلم أسود: “لسه بنراقبكم.” … بلغنا الشرطة. واتثبتت كاميرات حوالين البيت والمكتب. لكن اللي كان بيبعت الرسائل…
كان ذكي. ولا مرة ظهر وشه. ولا ساب أي أثر. … بعدها بثلاث أيام… دخلت عليا المكتب ست كبيرة في السن. لابسة ملاية لف، ووشها كله حزن. قالت: “إنتي الأستاذة منى؟” قلت: “أيوه.” طلعت صورة من شنطتها. أول ما شفتها… وقفت مكاني. الصورة كانت لأحمد. لكن كانت قديمة. واقف جنب راجل تاني. الست قالت: “ده ابني.” بصيت للصورة تاني. كان الراجل اللي واقف جنب أحمد. قالت: “ابني مات من أربع سنين.”
استغربت. “وأحمد ماله؟” قالت وهي بتمسح دموعها: “كان صاحبه.” سكتت شوية… وبعدين قالت: “ولما ابني مات… اكتشفت إن كل أملاكه اتباعت.” … بدأت تحكي. ابنها كان فاتح معرض أجهزة كهربائية. اتعرف على أحمد. بقوا أصحاب. وبعدين أقنعه يدخل معاه في استثمار. بعد سنة… كان كل شيء باسمه. وابنها بقى مديون. وبعدها بشهور… اتوفى بأزمة قلبية. قالت وهي بتبكي: “أنا طول السنين دي فاكرة إن ابني هو اللي غلط.” “لحد ما شفت أحمد في الأخبار وهو بيتحاكم.”
مدتلي ملف. وقالت: “يمكن الورق ده يفيد.” … قعدت أنا وهبة نراجع الملف. وفجأة… لقينا اسم متكرر. شركة اسمها… الأمان للاستثمارات. نفس الشركة كانت موجودة في أكتر من ق\ضية. وكل الضحايا… مروا بنفس السيناريو. استثمار… ديون… تزوير… واختفاء. … هبة قالت وهي بتقلب الورق: “واضح إن أحمد ماكانش المدير.” قلت: “يعني؟” قالت: “في حد أكبر منه.” … الجملة دي فضلت ترن في دماغي. يمكن أحمد كان مجرد واجهة. يمكن الشخص الحقيقي…
لسه بره. … في نفس الليلة… وأنا راجعة البيت… لقيت باب الشقة مفتوح سنة. اتجمدت. أنا متأكدة إني قفلته. دخلت بحذر. كل حاجة كانت مكانها. ولا حاجة متسـ,ـرقة. لكن وأنا داخلة أوضة النوم… لاحظت إن الدولاب مفتوح. والأوراق كلها مرمية على الأرض. حد كان بيدور على حاجة. بس ماخدش حاجة. … اتصلت بالشرطة. بعد المعاينة… الظابط قال: “الغريب إن اللص ما لمسش الذهب.” فعلاً. الدهب كان موجود. اللابتوب موجود. الفلوس موجودة.
اللي اتقلب… كان الورق بس. … رجعت أبص على الملفات. كلها ملفات تخص قض\ية أحمد. يعني… اللي دخل… كان بيدور على دليل. … وأنا بجمع الورق… وقعت مني صورة قديمة. أنا وأحمد يوم الفرح. ورانا كان في راجل كبير، لابس بدلة كحلي. ماكنتش واخدة بالي منه قبل كده. بصيت للصورة أكتر. حسيت إني شفته قبل كده. لكن فين؟ … تاني يوم… روحت للعم سيد. وريته الصورة.