الجزء الأخير
بعد ساعة… الفيلا فضيت.
ندى كانت قاعدة مع العجوز في مكتبه داخل قصره.
قدامها ألبوم صور قديم، كل صفحة كانت فيها صورة لأمها وهي صغيرة، وفي آخر صفحة… صورة لطفلة رضيعة لابسة نفس السلسلة.
العجوز قال وهو بيبكي
دي إنتِ.
ندى انفجرت في البكاء لأول مرة من سنين.
العجوز قال
من النهارده… مش هتباتي ليلة واحدة وإنتِ حاسة إن مالكيش ضهر.
لكن وهو بيقفل الألبوم… وقعت منه ورقة صفراء قديمة.
سليم التقطها، فتحها، واتغير لون وشه.
كان مكتوب فيها بخط اليد
إذا ظهرت ندى يومًا… فأخبروها أن الشخص الذي تسبب في اختفائها ليس غريبًا… بل فرد من العائلة… وما زال حيًا حتى الآن.
ساد الصمت في الغرفة، وندى رفعت رأسها ببطء وهي تسأل
يعني… اللي دمر حياتي… لسه بينا؟
نظر إليها الجد وقال
نعم… وكان موجودًا بيننا اليوم… وشاهد كل شيء… ثم غادر قبل دقائق فقط.
الكلمة وقعت على ندى كالصاعقة
كان موجود هنا؟!
هز الجد رأسه ببطء، فتح الدرج، وأخرج صورة قديمة لرجل في الخمسين من
عمره.
ندى أول ما شافته حسّت إنها شافته قبل كده… وفجأة افتكرت.
الرجل ده كان بيقف في آخر عزاء أمها وهي طفلة، وكان يختفي كل ما تسأل عنه.
سليم قال
اسمه حسام… أخو أمك.
ندى شهقت
خالي؟ !
الجد أغلق عينيه بألم
للأسف… هو اللي خطط لكل حاجة.
قبل خمسة وعشرين سنة، اكتشف أن أخته أمل سترث أغلب ثروة العائلة، فقرر يتخلص منها ومن بنتها. دبّر حادث السيارة الذي ماتت فيه أمل، أما ندى فسلّمها لشخص مقابل المال لتُترك في دار أيتام، ثم أخفى كل الأوراق التي تثبت حقيقتها.
لكن شيئًا واحدًا لم يستطع أخذه… الخاتم.
أمل أخفته في رقبة ابنتها قبل الحادث بساعات، وتركت رسالة قصيرة مع سيدة كانت تثق بها، تطلب منها ألا تنزع السلسلة أبدًا.
لهذا ظل الخاتم الدليل الوحيد على الحقيقة.
في اليوم التالي، قدّم سليم والجد كل المستندات للنيابة.
وبعد تحقيقات استمرت عدة أشهر، اعترف أحد المتورطين بكل التفاصيل، وتم القبض على حسام، وصدر بحقه حكم بالسجن بعد ثبوت تزويره للأوراق واستيلائه على الميراث وتورطه في الجريمة.
أما كريم… فلم يخرج من أزمته.
القضية التي فتحها التحقيق كشفت تزوـ,ـيرًا واختـ,ـلاسًا، كما حصلت ندى على الطلاق، وحكمت المحكمة لها بحضانة ليان ونفقة مناسبة، مع تعويض مدني عن الضرر الذي تعرضت له.
رنا حاولت تعتذر بعدما تركها كريم، لكن ندى اكتفت بابتسامة هادئة وقالت
في ناس بتخسر نفسها قبل ما تخسر غيرها.
مرت سنة.
وفي عيد ميلاد ليان الخامس… كانت الحديقة مليانة أطفال يجروا ويضحكوا.
ليان جريت ناحية أمها وهي ماسكة سـ,ـكينة التورتة، وابتسمت وقالت
يا ماما… تعالي نقطعها سوا.
ركعت ندى بجانبها، وحطت إيدها على إيد بنتها، فقطعوا التورتة وسط تصفيق الجميع.
الجد كان يضحك والدموع في عينيه، وسليم يلتقط الصور، وكل من حضر كان يشعر أن هذه اللحظة تعيد حقًا سُلب منذ سنوات.
بعد انتهاء الحفل، وقفت ندى وحدها في الشرفة، وأمسكت بالخاتم المعلق في رقبتها.
ابتسمت وهمست
يا أمي… وعدتك إني أحافظ عليه… لكنه ما كانش مجرد خاتم.
رفعت رأسها نحو السماء
كان الطريق اللي رجّعني لنفسي.
ثم دخلت إلى الداخل، حيث كانت ليان تناديها وهي تضحك
ماما… مستنيينك!
أغلقت ندى باب الشرفة خلفها، وتركت الماضي خارجًا.
ولأول مرة منذ سنوات… دخلت بيتها الجديد وهي تعرف أن الكرامة، مهما تأخر حقها، لا تضيع أبدًا.
تمت.

