منوعات

في يوم تخرجي ابويا ضر.بني بالقلم

مش عارف يقول كلمة واحدة.
عمري ما تخيلت إن اليوم اللي استنيته أربع سنين…
هيخلص وأنا قاعدة في مكتب رئيس الجامعة، وقدامي ضابط شرطة، ومستشار قانوني، وأبويا وأمي وأخويا على الناحية التانية.
المكان كان هادي.
لكن التوتر كان يخنق أي حد فيه.
الضابط فتح دفتره.
وبصلي.
وقال
ابدئي من الأول… ومن غير استعجال.
أخدت نفس طويل.
وبدأت أحكي.
…
حكيت عن يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة.
لما جبت مجموع يدخلني الكلية اللي بحلم بيها.
بدل ما أبويا يفرح…
قال
البنت مالهاش غير بيت جوزها.

لكنني قدمت على المنحة من غير ما يعرف.
ولما جالي خطاب القبول…
افتكرت إن حياتي أخيرًا هتتغير.
ماكنتش أعرف إن الکابوس لسه هيبدأ.
…
قلت للضابط
كل الأوراق اللي الجامعة طلبتها كنت بسيبها عند أبويا، لأنه كان بيقول إنه هينهي الإجراءات.
سألني
ومن بعدها؟
قلت
ولا مرة شفت أي مستند تاني.
رئيس الجامعة بص لموظف شؤون الطلاب.
وسأله
فعلاً ولي الأمر هو اللي استلم الملف؟
الموظف قلب في السجلات.
وبعدين قال
أيوه… أول سنة كان بيحضر مع الطالبة.
بصيت لأبويا.

قلت
بعدها منعني حتى أعرف أي حاجة.
…
الضابط الټفت لأبويا.
إيه ردك؟
قال بثقة حاول يمثلها
كل اللي بتقوله بنتي كڈب.
أنا اللي كنت بصرف عليها.
الضابط سأله
طيب عندك ما يثبت إنك كنت بتصرف عليها؟
سكت.

…
في المقابل…
أنا طلعت من شنطتي دفتر صغير.
قدمته للضابط.
قلت
ده دفتر مصاريفي.
استغرب.
بتكتبي كل حاجة؟
هزيت راسي.
من أول يوم في الجامعة.
فتح أول صفحة.
كان مكتوب
ثمن المواصلات.
ثمن الكتب.
ثمن الأكل.
ساعات الشغل.
وحتى المرتب اللي كنت باخده كل شهر.
كل حاجة بتاريخها.
…
نهى رفعت إيدها.
وقالت
لو تسمحوا… أنا شاهدة.
سمحولها تدخل.
وقفت بثبات.
وقالت
أنا وبسمة كنا بنشتغل سوا بعد المحاضرات.
كانت ساعات تبات من التعب.

وفي أيام كانت بتفطر رغيف وجبنة طول اليوم.
ومع ذلك عمرها ما اشتكت.
بصت ناحية
أبويا.
وقالت
ولو أهلها
كانوا بيصرفوا عليها… كانت ليه بتشتغل كل ده؟
أبويا بص في الأرض.
…
الضابط كتب ملاحظاته.
وبعدين قال
هنحتاج مراجعة التحويلات البنكية.
رد رئيس الجامعة
كل البيانات جاهزة.
…
بعد أقل من ساعة…
دخل موظف من البنك.
كان معاه ملف كبير.
قعد.
وفتح أول ورقة.
وقال
التحويلات خرجت من حساب الجامعة بانتظام.
قلب الصفحة.
ووصلت لحساب آخر.

الضابط سأله
باسم مين؟
الموظف قرأ الاسم.
وسكت فجأة.
رفع عينه ناحية أبويا.
وقال
الحساب باسم… أحمد محمود عبدالحميد.
لفيت أبص لأخويا.
وشه بقى أبيض.
…
صړخ أحمد.
دي مؤامرة!
الموظف رد بهدوء.
دي بيانات البنك.
وفيه توقيع باستلام البطاقات البنكية.
الضابط مد إيده.
هات الملف.
فتح آخر صفحة.
وقال
دي صورة صاحب الحساب.
كانت صورة أحمد.
…
أمي قعدت على الكرسي وهي بترتعش.
وقالت
يا أحمد… إنت عملت إيه؟
أحمد بص لأبويا بسرعة.

كأنه مستني منه ينقذه.
لكن أبويا فضل ساكت.
…
الضابط سأله
الفلوس كانت بتدخل حسابك ليه؟
قال بسرعة
بابا قال دي فلوس البيت.
وقال إن بسمة مش محتاجاها.
المكتب كله سكت.
وأبويا غمض عينه.
عارف إن ابنه كشف كل حاجة.
…
قال الضابط
يعني والدك كان عارف؟
أحمد بلع ريقه.
وبص لأبوه.
ثم قال بصوت منخفض
أيوه.
…
أمي بدأت تصرخ.
إنت وعدتني إن الموضوع مش هيبان!
الجملة خرجت منها من غير ما تحس.
بصينا لها كلنا.

هي نفسها حطت إيدها على بقها.
لكن بعد فوات الأوان.
…
المستشار القانوني قال
إذن إحنا قدام اعترافات متطابقة.
ثم بص لرئيس الجامعة.
وأضاف
الجامعة لازم تتقدم ببلاغ رسمي، لأن أموال المنحة صُرفت ببيانات مزورة.
…
بعد دقائق…
طلب الضابط من كل واحد فيهم يكتب أقواله.
أنا كنت قاعدة بهدوء.
ولا دمعة نزلت.
الغريب…
إني لأول مرة من سنين…
حسيت إن الحمل اللي فوق قلبي بدأ يخف.
…
وأنا مستنية انتهاء الإجراءات…
دخل راجل كبير في السن المكتب.

أول ما شفته…
عرفته.
كان أستاذ سامي.
المحاسب القانوني اللي اشتغلت عنده في الإجازات.
ابتسم لما شافني.
وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
الضابط سأله
حضرتك تعرفها؟
قال
دي من أشرف البنات اللي اشتغلوا معايا.
ولما بدأت تشك إن فيه تزوير… طلبت منها ما تواجهش حد غير لما يبقى معاها دليل كامل.
ثم أخرج من حقيبته ملفًا آخر.
وقال
وده تقرير المراجعة اللي عملناه.
فتح الضابط الملف.
وكان فيه مقارنة بين التوقيعات.
وكشف بحركة الأموال.
وحتى تواريخ سحب المبالغ من الحساب.

كلها كانت متوافقة مع الأيام اللي كان أحمد يشتري فيها حاجات جديدة.
…
رئيس الجامعة أغلق الملف ببطء.
ثم قال وهو ينظر إليّ
بسمة… أنا آسف.
استغربت.
قال
كان لازم نراجع الإجراءات بدقة أكبر.
هزيت رأسي.
وقلت
المهم إن الحقيقة ظهرت.
…
وقبل ما الجلسة تنتهي…
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
ثم تغيرت ملامحه.
وقال
إيه؟… إمتى؟
قفل المكالمة.
وبص لأبويا مباشرة.
وقال
واضح إن القضـ,ـية أكبر من مجرد منحة.
كلنا بصينا له.

قال
وصلنا بلاغ من بنك تاني…
فيه حسابات اتفتحت بنفس الطريقة…
وباستخدام نفس التوقيع المزور.
أما أبويا…
فلأول مرة…
ظهر على وشه خوف حقيقي، كأنه أدرك أن السر الذي أخفاه لسنوات بدأ يتكشف بالكامل.
لما الضابط قال إن فيه حسابات تانية اتفتحت بنفس أسلوب التزوير…
حسيت إن كل اللي كنت أعرفه عن حياتي لسه مجرد البداية.
أبويا رفع صوته بسرعة.
أكيد فيه غلط!
لكن الضابط رد بهدوء
إحنا بنتكلم بأوراق رسمية، مش تخمين.
مد له ورقة.
وده رقم الحساب.

أبويا أول ما شاف الرقم…
إيده اتهزت.
حاول يخبي ارتباكه، لكنه ماعرفش.
أنا لأول مرة فهمت إن الموضوع أكبر من المنحة.
بكتير.
…
بعد أقل من نص ساعة…
اتنقلنا كلنا لقسم الشرطة عشان تُستكمل الأقوال.
كل واحد دخل لوحده.
لما جه دوري…
الضابط قال
عايزين نعرف لو تفتكري أي حاجة غريبة حصلت في السنين اللي فاتت.
فضلت أفكر.
وفجأة افتكرت.
قلت
من حوالي خمس سنين… أبويا أصر أطلع بطاقة رقم قومي جديدة.
الضابط كتب المعلومة.
كملي.
قال إن القديمة فيها مشكلة.

وخدني مكتب تصوير، وبعدها خلاني أمضي على شوية أوراق وقال دي إجراءات عادية.
سألني
قريتي الأوراق؟
هزيت راسي بالنفي.
كنت واثقة فيه.
الضابط تنهد.
وقال
الثقة ساعات بتكون أخطر من الجهل.
…
بعدها دخل أحمد.
استمر التحقيق معاه أكتر من ساعة.
ولما خرج…
كان وشه شاحب.
بصلي.
ولأول مرة…
ماكانش فيه شماتة.
كان فيه خوف.
قرب مني وقال بصوت واطي
بسمة… أنا غلطت.
بصيت له من غير كلام.
قال
والله ما كنت فاهم.

سألته
إيه اللي ما كنتش فاهمه؟
قال وهو بيعيط
بابا كان
يقولي دي فلوس
من شغله.
وكل مرة يطلب مني أسحب مبلغ.
وأديهوله.
أنا عمري ما سألت.
قلت
ولما اشتريت العربية؟
سكت.
ولما اشتريت الساعة؟
نزل راسه.
قال لي دي مكافأة.
…
الكلمة دي كسرتني.
مش عشان العربية.
لكن عشان افتكرت اليوم اللي فضلت أسبوع كامل أوفر في مصاريف أكلي عشان أشتري كتاب كنت محتاجاه.
وفي نفس الوقت…
كان حقي بيتصرف في كماليات.
…
في المساء…
وصل تقرير الطب الشرعي الخاص بالتوقيعات.
الخبير قال بوضوح
التوقيع الموجود على استمارات تغيير الحساب البنكي لا يطابق توقيع بسمة.
وسكت لحظة.

ثم أضاف
لكنه قريب جدًا من محاولة تقليده.
أبويا ماقدرش يبص لحد.
…
بعد ساعات…
استدعى الضابط أمي.
دخلت وهي مڼهارة.
ولما خرجت…
كانت پتبكي.
ناديت عليها.
وقلت
ماما.
وقفت.
لكنها ماقدرتش تبص في عيني.
قالت بصوت متقطع
أنا كنت عارفة إن الفلوس بتنزل.
لكن ماكنتش أعرف إنه زور توقيعك.
سألتها
وليه سكتي؟
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت
كنت خاېفة.
ابتسمت بحزن.
وأنا؟
ماكنتيش خاېفة عليا؟
ماعرفتش ترد.

…
تاني يوم…
استدعوا موظف البنك اللي فتح الحساب.
كان راجل كبير قرب يطلع معاش.
أول ما شاف صورة أبويا…
قال
أيوه… فاكره.
الضابط سأله
إيه اللي حصل؟
قال
الراجل قال إن بنته مريضة ومش هتقدر تيجي.
وكان معاه توكيل.
سأله الضابط
راجعت التوكيل؟
قال بحرج
للأسف… أيوه.
الخبير فحص التوكيل.
وبعد دقائق قال
التوكيل مـ,ـزور بالكامل.
سكتت الغرفة.
الموضوع بقى واضح.
…
بعد انتهاء التحقيق…
استأذنت أمشي.
وأنا خارجة من القسم…
سمعت حد بينادي عليا.

لفيت. لقيت رئيس الجامعة.
قال
بسمة.
وقف قدامي.
وأضاف
مجلس الجامعة اجتمع.
استغربت.
قال
وقرر يكرمك.
قلت بدهشة
يكرمني؟
ابتسم.
مش بس لأنك من أوائل الدفعة.
لكن لأنك واجهت التـ,ـزوير بالطريق القانوني.
سكت لحظة.
وفيه قرار تاني.
الجامعة هتساعدك تكملي الدراسات العليا لو حبيتي.
حسيت لأول مرة…
إن تعب السنين ما راحش هدر.
…
بعد يومين…
انتشرت القصة في البلد كلها.
لكن الغريب…
إن ناس كتير بدأت تبعتلي رسائل.
بعضهم بيقول
إحنا مرينا بحاجة شبه دي.

وبعضهم بيقول
شجاعتك خلتنا نتكلم.
وقتها فهمت…
إن الظلم لما بيتسكت عليه بيكبر.
ولما حد يواجهه…
بيدي غيره قوة.
…
لكن وأنا بقفل موبايلي بالليل…
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
ماكانش فيها غير سطر واحد.
لو فضلتي مكملة في القضية… هتندمي.
اتجمدت مكاني.
وبدأت أفكر…
يا ترى مين اللي بعت الرسالة؟
وهل فعلًا أبويا كان بيشتغل لوحده…
ولا كان فيه حد تاني مستخبي لسه اسمه ما اتقالش؟
فضلت أبص للرسالة على شاشة الموبايل كذا دقيقة.
لو فضلتي مكملة في القضية… هتندمي.

قلبي دق بسرعة.
لكن بعد ثواني…
افتكرت حاجة قالهالي أستاذ سامي.
اللي بېهدد… بيكون خاېف.
قفلت الموبايل.
وأول حاجة عملتها الصبح…
إني رحت القسم.
وريت الضابط الرسالة.
بص فيها.
وقال
كويس إنك ما رديتيش.
سجل رقم الموبايل.
وأضاف
هنفحصه.
…
بعد ساعات…
رجع الضابط بابتسامة خفيفة.
وقال
الرقم متسجل باسم شخص وهمي.
استغربت.
سألته
يعني مش هنعرف مين؟
قال
هنعرف.
لكن محتاجين وقت.
…
في نفس اليوم. ..
وصل تقرير البنك الأخير.

وكان أهم تقرير في القضية كلها.
لأن التقرير ما كشفش بس حركة فلوس المنحة.
كشف كمان إن جزءًا من الأموال كان بيتحول بعد سحبها لحساب شركة صغيرة.
اسمها ماكنش معروف.
لكن مديرها…
كان ابن عم أبويا.
اسمه عادل.
افتكرت عادل.
الراجل اللي كان بيزورنا كل أسبوع.
وكان دايمًا يقول
بسمة لازم تسيب الجامعة.
وقتها كنت فاكرة إنه مجرد رأي.
لكن دلوقتي…
بدأت الصورة تكتمل.
…
تم استدعاء عادل.
في الأول أنكر كل حاجة.
لكن لما الضابط حط قدامه كشوف الحسابات…
اتوتر.

وقال
أنا مجرد وسيط.
الضابط سأله
وسيط في إيه؟
قال
أخوها كان عليه ديون.
كلنا بصينا لأبويا.
الضابط سأله
ديون إيه؟
سكت.
…
بعد ضغط طويل…
اعترف أبويا بالحقيقة.
من ست سنين…
دخل في مشروع تجارة.
وخسر كل فلوسه.
واستلف مبالغ كبيرة.
ولما الجامعة بدأت تحول المنحة…
شافها فرصة يسدد بيها ديونه.
في البداية قال لنفسه
هاخد أول دفعة بس.
لكن أول دفعة جابت التانية.
والتانية جابت اللي بعدها.
لحد ما خلصت الأربع سنين.

…
بصيت له.
وقلت
وأنا؟
رفع عينه لأول مرة.
كانت مليانة ندم.
قال
كنت فاكر إني هعوضك.
ضحكت بۏجع.
بأي حاجة؟
بالعمر اللي ضاع؟
بالتعب؟
بالشغل اللي كنت بشتغله ليل ونهار؟
ماعرفش يرد.
…
أما أحمد…
فقام من مكانه.
ومشى ناحيتي.
وقال قدام الكل
أنا مستعد أبيع العربية.
وأرجع كل جنيه استفدت بيه.
بصيت له.
وقلت
أنا مش عايزة عربيتك.
أنا كنت عايزة أخ.
نزلت دموعه.
ولأول مرة…
حسيت إنه فهم معنى الجملة.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى