حماتي كانت كل ما ضرتي تطلب حاجة من جوزي، تبصله وتقولنفذهالها دي ست بيت وتتدلع.
ولو طلبت يجيبلها موبايل جديد، أو يساعدها في جهاز، أو حتى يوديها مشوار، كان يقوم من غير كلمة.
أما أنا
لو طلبت نفس الطلب بالظبط، كانت تبصلي باستنكار وتقول
مراتك مدلعة أوي هي مش بتشبع طلبات؟
والغريب إن جوزي كان يسمع كلامها.
مرة طلبت منه نغير التلاجة، لأنها كانت بتفصل كل شوية والأكل بيبوظ.
قال
استني شوية.
بعدها بأسبوع، ضرتي قالت إنها نفسها في تكييف.
في نفس اليوم، راح اشتراه وركبه بنفسه.
حماتي فضلت تمدحه قدام العيلة
الراجل الجدع هو اللي يقف جنب أخوه ومراته.
أما أنا، بقيت كل ما أطلب حاجة، أبقى حاسة إني بطلب المستحيل.
لحد يوم عيد ميلادي.
كل اللي طلبته كان خاتم بسيط.
ضحك وقال
الوقت مش مناسب.
وفي نفس الأسبوع، ضرتي نزلت صورة على الفيسبوك، لابسة سلسلة دهب جديدة، وكاتبة
أحلى هدية من أغلى الناس.
الكل عرف إن جوزي هو اللي جابهالها.
سكت
لكن بدأت أحتفظ بكل حاجة.
كل تحويل.
كل فاتورة.
كل رسالة.
وفي عزومة عائلية كبيرة، حماتي رجعت تقول قدام الكل
مرات ابني مش بيهمها غير الطلبات.
ابتسمت، وقلت
عند حضرتك حق عشان كده عملت كشف صغير.
طلعت ملف من شنطتي، ووزعت نسخة على كل واحد
على الترابيزة.
حماتي استغربت.
وجوزي أول ما شاف أول ورقة، حاول يسحب الملف من إيدي.
لكن أخوه كان سبق وفتح النسخة اللي قدامه.
وكان فيها جدول بالتواريخ والمبالغ.
في خانة اسمي
طلب تغيير التلاجة مرفوض.
علاج الأسنان مؤجل.
خاتم عيد الميلاد مرفوض.
وفي خانة ضرتي
تكييف جديد.
سلسلة دهب.
موبايل.
مساهمة في جهاز.
تحويلات شهرية.
السكوت خيم على السفرة.
أخو جوزي بصله وقال
كل ده من فلوسك؟
وقبل ما يرد، قلت بهدوء
لا من حسابنا المشترك، اللي كنت فاكرة إنه بيتصرف على بيتنا.
حماتي قامت وقالت بعصبية
دي بتوقع بين الإخوات.
ابتسمت وقلت
لسه موقعتش بين حد لأن لسه ما وريتش الكل آخر ورقة.
جوزي اتجمد مكانه.
وقال بسرعة
لا الورقة دي بلاش.
بصيتله وقلت
تقصد الورقة اللي فيها توقيعك، وإقرار البنك إنك سحبت مبلغ كبير من حسابنا المشترك وكتبت في سبب السحب مساعدة لأخويا ومراته من غير حتى ما أعرف؟
السكوت خيم على المكان كله، ما كانش حد بيتنفس تقريباً.
أصوات الأطباق والمعالق اللي كانت بتضحك وتتكلم من شوية، اختفت فجأة وكأن المكان صار مظلم رغم أن النور كان مضيء في كل حتة. حماتي كانت واقفة وعيونها بتدور في الحيطان، مش عارفة ترد ولا تقول إيه، وجوزي كان لونه صار أبيض زي الورق، ويده بتترجف جامد لما حاول يقرب مني. أخوه اللي كان واقف جنب مراته، مسك الملف بيده وقرا الكلام بصوت عالي متردد سحب مبلغ سبعين ألف جنيه بتاريخ 15 مارس، سبب السحب مساعدة لأخي، التوقيع.. توقيع أخوك يا كريم…
كريم.. ده اسم جوزي.
لما سمعت اسمه مذكور كده، حاسة إن قلبي اتقطع مرة تانية، مع إن كل جراحه كانت قدامي واضحة زي الشمس. كنت واقفة بثبات، راسي مرفوع، مش عاوزة حد يحس بإن قلبي بينزف من جوايا. كل اللي عشته السنين الفاتحة مر قدامي في لمح البصر، كل مرة كنت بتحمل وأقول عله خير، كل مرة كنت بنام ومعدتي بتوجعني من الحزن، كل كلمة قالتها حماتي في وشي، وكل نظرة كانت بتبصلي بيها ضرتي زي إنني آخذة مكان ما لييش حق فيه.
الفصل الأول.. من أول يوم دخلت البيت
كنت فاكرة لما اتجوزنا، إن الحياة هتكون حلوة، إننا هنبني بيتنا سوا، نكبر أحلامنا سوا، نعدي على الصعوبات سوا. كنت بنت عادية، جاية من بيت محترم، تعبت وشقيت عشان أتعلم وأكون بنت ناجحة، لقيت كريم وكان بيقولي كلام حلو، بيقولي إنني أغلى ما عنده، إن حياته من غيري مش حياة. وصدقت.. صدقت بكل قلبي اللي كان طيب ومليان أمل.
أول ما دخلت بيتنا، لقيت حماتي قاعدة في الصالة، وعيونها بتقلب فيا من فوق لتحت، وكأنها بتقيسني بمقياس مش موجود في الدنيا.
قالتلي بصوت عالي شوية اعرفي يا بنتي، كريم ده ولدي الكبير، تعبت عليه كتير، هو مسؤول عن الكل هنا، أخوه الصغير لسه مخلصش حظه في الدنيا، فخليكي دايماً تضعيهم في عينك، ولا تطلبي حاجة تزعجه من أجلهم. قلت لها وقتها بابتسامة صادقة إن شاء الله يا ماما، أنا مش هكون سبب في إزعاج حد، كلنا عيلة واحدة. ما كنتش أعرف إن الكلام ده كان أول خيط في الشبكة اللي كانت بتتنسج حولي يوم بعد يوم.
كان كريم في الأول بيعوضني عن كل حاجة، كان بيقولي أنتي فاهمة صح، أمي بتخاف علينا، وأخي محتاج مساعدة، وبعدين ما فيش حاجة بيننا تهمك ولا تزعلك. فكنت بصبر، لما كان بيصرف فلوس كتير على أخوه، كنت أقول معليش، أخوه حقه عليه، لما كان يقعد معاهم الساعات الطويلة ويسيبني لوحدي في البيت، كنت أقول ده واجب العائلة. لما بدأت ضرتي تظهر في الصورة، كانت كل شوية تيجي تزورنا، وتجلس تتكلم عن نفسها كتير، تقول إنها تعبانة، إن جهازها ناقصه حاجات كتير، إن الشقة بتاعتهم صغيرة ومش مريحة، إنها نفسها تعيش في راحة ومفيش هم.
وكل مرة كانت تطلب حاجة، كريم كان يقول لها تحتاجي إيه هاتقوليلي، أنا معاكم، وحماتي كانت بتقف جنبها وتقول يعني الراجل الجدع ما يردش طلب لحد من أهله. وبدأت المقارنات تبدأ.. أول ما كنت أقول لكرم
الثلاجة بتاعتنا بتعطل كتير يا حبيبي، خلينا نغيرها قبل ما الأكل يبوظ ونخسر فلوس وحياة، كان يرد عليا بهدوء بس بملل واضح استني شوية يا حبيبتي، الظروف مش قوية دلوقتي، خلينا نرتب الأولويات. وبعد أسبوع ولا اتنين، نلاقي حماتي جاية تقول إن ضرتي قالت إنها نفسها تكييف جديد عشان الجو بيبقى حار جداً وهي مش بتستحمل، فكريم في نفس اليوم راح شاريه وركبه لهم، وحماتي كانت تفرح وتقول لجميع الجيران والأقارب ما شاء الله على ولدي، ربنا يخليه ويبارك فيه، هو اللي بيقف جنب أخوه ومراته ويريح بالهم.
كنت أسمع الكلام ده وقلبي بيتقطع، بس كنت بصبر وأقول لروحي يمكن أنا اللي غلطانة، يمكن أنا اللي مش مقدرة الظروف، يمكن التكييف ده كان ضروري أكتر من تلاجتنا المعطلة. لما جيت عشان أعمل علاج لأسنانى اللي كانت بتوجـ,ـعني جامد، قلت له عاوزة أروح للدكتور يا كريم، الألم مش سايقني أنام ولا آكل، قال لي خلينا نأجل شوية، الفلوس دلوقتي مش فاضية، لما أقبض الراتب الجاي إن شاء الله نروح. وفي نفس الأسبوع لقيت ضرتي نزلت صورة على الفيسبوك وهي لابسة سوار دهب غالي، وكاتبة تحتها أغلى هدية من الغالي كريم، ربنا يخليك ليا يا أخويا الغالي.
حد قالي عليها من الأهل، وقلبي اتعور جداً، بس سكت.. سكت عشان خاطر العيلة، عشان ما يقولوش إنني نكدية وعاوزة أفرق بين الإخوات.
وجاء يوم عيد ميلادي.. كنت مش عاوزة حاجة غالية أبداً، كل اللي جاء في بالي إنى أطلب منه خاتم بسيط فضة ولا حتى دهب، مجرد تذكار منه، يحس إن اليوم ده مختلف بالنسبة لي. لما قلتله، ضحك شوية وبصلي وقال يا حبيبتي الوقت مش مناسب، عندنا مصاريف كتير الشهر ده، وعدك في عيد ميلاد الجاي هجيبلك أحلى هدية في الدنيا. صدقت.. صدقت مرة تانية، وقلبي كان بيأمل إن حاسته هترجع، وإن هيعرف قيمتي في يوم من الأيام.
بس بعد ثلاث أيام، لقيت كل الأصحاب والأقارب بيبعتولي رسايل يقولوا لي مبروك لسارة ضرتي على السلسلة الدهب الكبيرة اللي جابهالها كريم، وإنها كانت فرحانة بيها جداً. ساعتها حسيت إن شيء في جوايا مات.. مات الأمل، مات الصبر، مات كل المشاعر الحلوة اللي كنت بحملها ليه ولأهله.
من اليوم ده قررت إنني مش هسكت تاني.. مش هسمح لحد يأخذ حقي ويضيع تعبى ودم قلبي من غير ما أعرف. بدأت أسجل كل حاجة..
كل فاتورة، كل رسالة، كل إشعار بالتحويل اللي كان بيجيلي على الموبايل من البنك، كل كلمة كانت بتتقال وتثبت إن كل الفلوس اللي بيتصرفها عليهم كانت من حسابنا المشترك، اللي كنت بدفع فيه نص راتبي زي ما هو بيدفع، اللي كان المفروض يصرف منه على بيتنا ومصاريفنا واحتياجاتنا الخاصة. كنت باحفظ كل ورقة في ملف خاص، كنت باحفظ الصور والرسائل في ملف سري على هاتفي، كنت بنوي إن الحق لازم يظهر في الوقت المناسب، ومش هقبل أي كلام يطمنني أو يخليني أسكت مرة تانية.
الفصل الثاني.. العزومة اللي غيرت كل حاجة
جاء اليوم اللي كانوا هيجتمعوا فيه كل الأهل في عزومة كبيرة عند حماتي، مناسبة إن أخوه نجح في عمله الجديد، والكل كان فرحان ومبسوط، والجميع بيمدحوا كريم ووقفته جنب أخوه ومساعدته له في كل حاجة. كنت قاعدة في الزاوية بشرب الشاي وبسمع الكلام، وكل كلمة كانت بتدق في قلبي دقة دقة لحد ما صبر نفد خالص.
لما حماتي وقفت وسكتت الكل عشان تسمعها، قالت بصوت عالي ومسموع للجميع أحب أقول كلمة حق في حق ولدي كريم، هو نعم الأخ ونعم الابن، وبصراحة ربنا يهدي له مراته اللي مش بيهمها غير طلباتها ومش عارفة تقدر تعب الراجل ومسؤوليته تجاه أهله.
كل العيون اتجهت ليا، وبصوا لي بنظرات استغراب ولوم، وكنت متوقعة كل ده، فابتسمت بهدوء وقمت وقولت عند حضرتك حق يا ماما.. عشان كده عملت كشف صغير ورتبت فيه كل حاجة، عشان الكل يعرف الحقيقة زي ما هي.
طلعت الملف من شنطتي وبدأت أوزع النسخ على كل واحد قاعد على الترابيزة، بعضهم أخدها بفضول، وبعضهم خاف ياخدها، وبعضهم كان بيقلب في الورق بتركيز. حماتي لما شافت الورق اتغير لونها وقالت إيه ده اللي جابتيه يا بنتي؟ قوليلي إيه الفضيحة دي اللي عاوزة تعملها؟. وجوزي كريم أول ما قرا أول سطر في الجدول، قام بسرعة وحاول يسحب الملف من إيدي وقال هاتيه يا رنا.. هاتيه قولتلك بلاش الكلام الفاضي ده، هتفضحي نفسك وتفضحينا كلنا.
لكن كان فات الأوان.. أخوه اللي اسمه سامي، كان فتح النسخة اللي معاه وقرا بصوت مهزوز طلب تغيير الثلاجة بتاعة بيت كريم ورنا..
مرفوض بتاريخ 10 يناير.. علاج أسنان رنا.. مؤجل من 2 فبراير لحد دلوقتي.. خاتم عيد ميلاد رنا.. مرفوض بتاريخ 12 أبريل.. وتحتها تكييف جديد لشقة سامي وسمية.. مدفوع بالكامل بتاريخ 18 يناير.. سلسلة دهب لسمية.. مدفوعة بتاريخ 15 أبريل.. موبايل حديث.. مدفوع بتاريخ 3 مارس.. مساهمة في جهاز سمية.. بتاريخ 20 فبراير.. وتحويلات شهرية بمبلغ أربعة آلاف جنيه كل شهر من أول السنة. سكت شوية وبص لأخوه وقال بصوت عالي ومليان الصدمة كل
ده من فلوسك يا كريم؟ كل ده بتدفعه وأنا مش عارف إنك بتتعب كتير عشاننا؟.
وقبل ما كريم يفتح بقه يرد، تكلمت أنا بهدوء تام وكل كلمة مسموعة لا يا سامي.. مش من فلوسه لوحده.. ده كله من حسابنا المشترك اللي بنحط فيه راتبينا كل شهر، المبلغ اللي بيتصرف منه على طعامنا وشرابنا وفواتيرنا واحتياجات بيتنا كلها. أنا كنت فاكرة إن كريم بيصرف منه على حاجاتنا الضرورية، بس اكتشفت إن نص فلوسنا وأكتر رايحين لغيرنا، واحنا هنا نعيش بأقل القليل ونتحمل العيوب في كل حاجة عندنا. حماتي قامت من مكانها وقفت بعصبية شديدة وصوتها علا وقالت دي بتوقع بين الإخوات..
دي عاوزة تفرقنا وتخلي العداوة بينكم.. إيه يا بنتي حرام عليكي، دول أهله، من حقه يساعدهم!.
ابتسمت لها ببرود وقولت لسه ما وقعتش بين حد يا ماما.. لأن لسه ما وريتش الكل آخر ورقة في نهاية الملف. كريم اتجمد مكانه، ووجهه صار زي الطباشير، وبدأت يده ترتجف جامد وقال بسرعة وبصوت منخفض رجاء لا يا رنا.. الورقة دي بلاش.. أرجوكي بلاش، كفاية اللي حصل.
بصيتله بعين مليانة ألم وغضب وقولت تقصد الورقة اللي فيها توقيعك بنفسك، وإقرار البنك الرسمي بتاريخ 15 مارس، إنك سحبت مبلغ سبعين ألف جنيه من حسابنا المشترك، وكتبت في بيان سبب السحب مساعدة مالية لأخي سامي وزوجته.. وكل ده من غير ما تعرفني ولا تكلمني ولا حتى تقوليلي كلمة واحدة؟.الفصل الثالث.. الحقيقة تظهر وكل حاجة تتغير
الصدمة كانت واضحة على وشوش كل واحد موجود، الكل بص لكريم بدهشة واستغراب، وسامي لما سمع المبلغ صرخ بصوت عالي سبعين ألف؟! يا رب.. أنا ما أخذتش منك المبلغ ده كله يا كريم.. أنت عطيتني عشرين ألف بس عشان أشتري أثاث للشقة، والباقي فين؟
قوليلي فين الفلوس دي يا كريم؟. حماتي وقعت على الكرسي اللي وراها، وبدأت تدمع وتقول إيه اللي عملته يا ولدي.. إيه اللي خلاك تعمل كده وتخبي علينا كل ده؟. سمية ضرتي كانت واقفة ومش عارفة ترد، عيونها بتدور ومش قادرة ترفع راسها لحد.