منوعات

لما بصيت في المرايه

نزلت من العربية ووقفت قصاد البرج الإزاز اللي مكتوب عليه بخط دهبي عريض: “مجموعة الشناوي للاستيراد والتصدير”. بصيت في الساعة اللي في إيدي.. الخمس دقائق خلصوا. الخمس دقائق اللي كان ممكن ينقذوا حسين من المصير اللي رسمه بإيده. حطيت النظارة الشمسية على وشي عشان أغطي الجنب اللي اتاكل من شعري، وحطيت إيدي في جيب البالتو، ولمست الورق المتروس أختام حمرة. صوابعي كانت دافية، والترعة اللي كانت جوايا بتغلي سكنت فجأة.. السكون اللي بيجي قبل الطوفان.

طلعت التليفون ورنيت تاني على الأستاذة ماجدة. “يا متر.. انزلي من العربية وادخلي معايا. الساعة دقت.” جاني صوتها القوي اللي يوزن بلد: “أنا وراكي يا مريم، ومعانا قوة التنفيذ ورجال الشرطة والمحضرين. النهاردة هتعرفي القيمة الحقيقية للورق اللي سابهالك أبوكي الله يرحمه.” دخلت بوابة الشركة بخطوات ثابتة، الكعب بتاعي كان بيرن في الصالة الواسعة الرخام زي ضر.بات قلب واحد بحكم عليه بالإعدام. أمن البوابة سكتوا تماماً لما شافوني. الموظفين اللي كانوا بيتهامسوا الصبح ويبصوا لي بشفقة وشماتة، اتجمدوا في أماكنهم لما شافوا ورايا بوكس شرطة نازل منه ظابط برتبة عميد ومعاه أربعة محضرين شايلين حافظات بيضا ثقيلة.

طلعت الأسانسير الخاص بالمدير العام. نفس الأسانسير اللي طلعت فيه الصبح وأنا شايلة صينية الأكل وبحلم ببيت أدى مهلته الأخيرة. الدور الثامن كان هادي، بس الهدوء ده اتك.سر أول ما باب الأسانسير اتفتح وخرجت منه القوة. السكرتارية بره هاجت، والبنات بدأوا يجروا ويطلعوا هواتفهم. السكرتيرة الدلوعة اللي كانت قاعدة بره وقفت ترتعش: “يا مريم هانم.. الأستاذ حسين جوه عنده اجتماع مهم مع وفد إيطالي بيمضوا عقد التوكيل الجديد!” ما رديتش عليها. زقيت باب المكتب الإيطالي التقيل بإيدي الاتنين.

الباب اتفتح بصوت قوي. حسين كان واقف عند السفرة الكبيرة، لابس بدلته الكحلي الشيك، ومكتف إيديه بثقة، والوفد الإيطالي قاعد، وشاهيناز واقفة جنبه بقميصها الأبيض المظبوط وشعرها المفرود، بتصوب لي نظرة كلها غل وحقد، فاكرة إني راجعة أعمل شو شوارع أو أترجاهم. حسين وشو احمر من الغضب لما شاف الظابط والمحضرين، وقال بصوت شخط فيه عشان يداري خضته: “إيه الجنان ده؟! أنتِ اتجننتي رسمي يا مريم؟! أنتِ جايبة شرطة ومحضرين في وسط مديري الشركات الأجنبية؟! بكتفي منك بقى.. بره! انزلي بره بدل ما أخلي الأمن يرميكي في الشارع!”

خطوت خطوة واحدة لجوه، ووريت وشي للجميع، شلت النظارة الشمسية ببطء، وسبت الجنب المحلوق من شعري يظهر قصاد الكل.. قصاد الوفد الإيطالي، وقصاد الموظفين اللي اتجمعوا على الباب. الترجمان الإيطالي برطم باللغة بتاعته وشه اتخطف. حسين عينه زادت حيرة وغضب، لكن شاهيناز ضحكت بصوت واطي وقالت: “إيه ده؟ جاية تعيطي على شعرك هنا؟ ما قلنا لك السقف هو اللي وقع عليكي و…” قبل ما تكمل كلمتها، الأستاذة ماجدة دخلت بخطوة واثقة، ورمت فايل أحمر تقيل على الترابيزة قصاد الوفد الإيطالي وقصاد حسين.

المحضر اتكلم بصوت جهوري هز القاعة: “إعلان رسمي بالتحفظ والحراسة القضائية على شركة الشناوي للاستيراد والتصدير، وتجميد كافة الحسابات البنكية الخاصة بالشركة وبالمواطن حسين أحمد الشناوي، بصفته وربطه الشخصي، بناءً على الحكم الصادر من محكمة الأمور المستعجلة برقم 482 لسنة 2026!” السكون نزل على الأوضة زي صخرة تقيلة. حسين ضحك ضحكة هيسترية، وشه بقى أصفر زي الليمونة: “حراسة إيه وتجميد إيه؟! أنتِ هبيلة يا ست أنتِ؟! دي شركتي! أنا رئيس مجلس الإدارة وأنا اللي بمتلك 90% من الأسهم!”

الأستاذة ماجدة ابتسمت ابتسامة باردة، وطلعت وثيقة أصلية من الفايل، عليها ختم النسر وختم الشهر العقاري، وقالت بصوت هادي وواضح: “ده كان الصبح يا أستاذ حسين. لكن حضرتك نسيت تقرأ البنود الملحقة بعقد تأسيس الشركة اللي كتبه الحاج عبد المجيد الفولي.. والد مريم هانم.. الله يرحمه.” حسين بلع ريقه، وإيده بدأت ترتعش بشكل ملحوظ. كملت ماجدة وهي بتبص له في عينه:

“الحاج عبد المجيد لما مول الشركة دي وكتب لك 90% من الأسهم عشان يعمل لك قيمة قصاد نسابينك، حط بند شرطي فاسخ في العقد الموثق برقم 1204.. البند ينص على أن الأسهم تعود بالكامل ودفعة واحدة لملكية ابنته مريم عبد المجيد الفولي في حالتين: الأولى هي الوفاة، والثانية هي ارتكاب الشريك الموصى له أي فعل يمس الشرف، أو الخيانة الزوجية المثبتة، أو الاعتداء الجسدي والنفسي على الابنة! وبناءً على المحضر المظبوط رقم 8109 إداري القصر العيني، والتقرير الطبي اللي أثبت الاعتداء والقص القسري للشعر داخل مقر الشركة، والشرائط المسجلة لكاميرات المراقبة للطرقة الخاصة اللي تفريغها تم بنجاح…”

وقف حسين مش قادر يتنفس: “كاميرات إيه؟! الكاميرات دي متوصلة بسيرفر خاص بي أنا!” مريم اتكلمت لأول مرة، بصوت هادي، وبصت في عينيه مباشرة: “السيرفر اللي أنت مفكر إنه باسمك، المهندس اللي ركبه كان بياخد مرتبه من حساب بابا.. والباسورد بتاعته كانت تاريخ ميلادي أنا يا حسين. أنا شوفت التسجيل كله. شوفتك وأنت واقف بره باب التواليت، سامع صريخي وشايف شاهيناز وهي بتعتدي عليا بالمقص، وكنت بتولع سيجارة وبتضحك.” شاهيناز رجعت خطوتين لورا، وشها بقى شاحب زي الجثة، وبصت لحسين:

“حسين! إيه الهبل ده؟! قول حاجة! قول إن الكلام ده مش صح!” لكن حسين ما كانش قادر ينطق. الوفد الإيطالي وقف فجأة، رئيس الوفد بص لحسين بقرف، ولم الأوراق بتاعته من على الترابيزة، وقال بالترجمان: “نحن نلغي كافة المفاوضات فوراً. لا نتعامل مع شركات تدار بهذه الطريقة ولا مع أشخاص تتعدى على شرف زوجاتهم.” “استنوا يا حضرات! يا ميسو لويجي! استنى بس نفهم!” حسين كان بيجري وراهم زي الفرخة الدائخة، بس رجال الشرطة وقفوا قدامه.

العميد اتكلم بصرامة: “أستاذ حسين الشناوي.. اتفضل معانا من غير وش. عندك أمر ضبط وإحضار في قضية التزوير والاستيلاء على أموال الشركة، بالإضافة لبلاغ الاعتداء.” “تزوير إيه؟! أنا ما زورتش حاجة!” حسين صرخ وهو بيبص لمريم بذهول. ماجدة طلعت ورقة تانية: “السحوبات اللي سحبتها الشهور اللي فاتت من سيولة الشركة عشان تشتري الشقة اللي باسم الست شاهيناز في التجمع الخامس، والأساور الدهب اللي في إيدها دي.. كلها سحوبات تم تكييفها قانوناً كإختلاس وتزوير في أوراق الشركة الرسمية، لأنك سحبتها بتوقيع فردي ملغى وفقاً لبند الحراسة.”

شاهيناز صرخت بصوت عالي: “أنا ماليش دعوة! هو اللي كتب لي الشقة! هو اللي قال لي إن الشركة بتاعته وإن مراته دي مجرد كرتون وموجودة ديكور في البيت!” مريم قربت من شاهيناز ببطء، بصت في إيدها اللي فيها الأساور الدهب، وقالت لها بنبرة خالية من أي غضب: “الشقة هترجع للشركة بكرة بكرة بالأنون.. والدهب ده هيتحفظ عليه. وأنتِ يا شاطرة.. المحضر اللي معمول ضدك فيه شروع في عاهة مستديمة. الجنب اللي قصيتيه من شعري ده.. هتدفعي تمنه من حريتك ومن عمرك.”

شاهيناز اترمت على الكرسي وهي بتعيط وتلطم على وشها: “يا حسين اعمل حاجة! يالهوي يا لهوي! أنا هروح السجن؟!” لكن حسين ما كانش فارق معاه شاهيناز ولا الشقة. حسين كان شايف ملكه بيبخر قصاد عينيه. التوكيل الإيطالي اللي قعد يخبط على أبوابه سنتين ضاع في دقيقة. الحسابات اتجمدت. الشركة اللي كان بيفاخر بيها في القعدة والعزومات راحت لصاحبتها الحقيقية. العسكري قرب ومسك حسين من إيده عشان يكلبشه. حسين اتنفض وبص لمريم، ولأول مرة عينه تنزل في الأرض، ونبرة الاستحكام والغرور اختفت تماماً وحل مكانها التوسل:

“مريم.. عشان خاطر اللي بيننا.. عشان خاطر العيش والملح! بلاش تعملي فيا كده قصاد الموظفين وقصاد الناس! أنا جوزك! احنا كبرنا مع بعض! استهدي بالله ونحلها بيننا في البيت!” مريم وقفت بثبات، وبصت له من فوق لتحت، وقالت له: “البيت اللي كنت بتدخل فيه وتتشرط وتتأنق، ما.ت يوم ما سمحت لوحدة صايعة تلمس شعري. والعيش والملح اللي بتتكلم عنه.. أنت بعته في سوق النخاسة بقرشين صاغ. أنت مش جوزي يا حسين.. أنت كنت مجرد موظف في شركة بابا، والنهاردة فترة اختبارك انتهت بتقدير ضئيل جداً.”

الشرطة أخدت حسين وشاهيناز. حسين كان بيسحل رجليه زي العاجز، وبصات الموظفين اللي كانوا بيخافوا منه وبيهابوه كانت بتلاحقه بشماتة وك.سرة. شاهيناز كانت بتصرخ وتلعن في اليوم اللي عرفته فيه. خرجت مريم من البرج بعد ما استلمت مفاتيح المكتب التنفيذي. الشارع كان زحمة، والمساء كان بدأ ينزل على القاهرة بأضوائها الزاطمة. نزلت النظارة الشمسية على عينها، وحطت إيدها على الجنب المحلوق من شعرها. ما كانتش حاسة بالوجع ولا بالك.سرة.. كانت حاسة براحة مفيش زيها. براحة الست اللي جابت حقها بإيدها والقانون، ومن غير ما تنزل دمعة واحدة ضعف.

طلعت تليفونها وطلبت كوافير معروف في الزمالك: “أهلاً يا فندم.. معاكي مريم الفولي. عايزة ألم حجز النهاردة بالليل.. عايزة أقص شعري كله “جرسون” قصير جداً.. بداية جديدة لشكل جديد.” قفلت المكالمة وابتسمت ابتسامة هادية. لكن وهي بتركب عربيتها، تليفونها رن برقم مجهول. ردت بصوت هادي: “ألو؟” جالها صوت ست كبايشة، مليان غل وشر، بس مش صوت شاهيناز ولا صوت حماتها.. صوت غريب ومبحوح قال ببطء:

“فاكرة إنك خلصتي يا مريم؟ فاكرة إن حسين وشاهيناز هما بس اللي كانوا بيلعبوا معاكي؟ أنتِ فتحتي باب المقبرة على نفسك وعلى سر أبويكِ اللي اندفن من عشرين سنة.. واستعدي، لأن اللي جاي مش قص شعر.. اللي جاي هيمحي اسم الفولي خالص من الوجود!” الخط اتفصل فجأة. مريم جمدت في مكانها، وعينها جت على المرآة بتاعة العربية.. وبصت للسر المكتوب في الورق القديم اللي سابهولها أبوها في الخزنة.. السر اللي هي نفسها كانت خايفة تفتحه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى