نزلت السلم وأنا مسككة ندى في حضني، ضربات قلبي كانت مسموعة في الشارع الفاضي، والمطرة لسه بتطش خفيف على وشي. ركبت أول توك توك قابلني وقولت له: “على حارة المحكمة يا اسطى، عند دكانة أم ممدوح.” طول الطريق وندى نايمة على كتفي، وشها الصغير دافي، وأنا إيدي قافلة على المفتاح الصدي جوة جيبي كأني مسكة حبل النجاة الأخير.
وصلت الحارة كانت الساعة دخلت على 11 بالليل. الحارة هادية والأنوار مطفية، والدكانة مقفولة بالصاج الرمادي اللي علامات الزمن شاقّة فيه. حطيت المفتاح في القفل، كان تقيل وبيزيّق كأنه بيشتكي، بس لفّ معاي في الآخر. زقيت الباب الصاج، وطلعت ريحة الكمون، والكزبرة الناشفة، وريحة أمي.. الريحة اللي بقالي أيام محرومة منها. ولعت اللمبة النايلون البيضا، المكان كان صغير، ثلاث ترابيزات صاج، وبوتجاز أربع عيون قديم، وصورة لأمي بالجلابية السمرة متعلقة على الحيطة وجنبها آية الكرسي.
قعدت ندى على كرسي، ولفيتها بزلعة قماش كانت محطوطة على الرف. الدموع اللي حبستها قدام سيد وأمه نزلت شلال. بكيت على أمي اللي راحت بغدر، وعلى سنتين الجواز اللي ضاعوا مع بني آدم ما يسواش، وعلى الإهانة اللي شفتها. بس وسط الكسرة دي، كان في نار بتاكل في صدري.. نار عوزة تأخد حق أمي وحقي.
علشان أبدأ أشتغل، كان لازم أفتح النملية القديمة اللي أمي كانت بتشيل فيها دفاتر الحسابات وفلوس البضاعة. النملية كانت خشب جوز قديم، مقفولة بقفل صغير، وسلسلة مفاتيح أمي كان فيها مفتاح صغير أصفر. فتحت القفل، وطلعت الدفتر اللي غلافه كرتون مقوى. وأنا بقلّب في الصفحات عشان أشوف أمي كانت مديونة لمين من تجار السوق، لقيت قعر النملية فيه لوح خشب متحرك.. زقيته بإيدي بالمصادفة، لقيته اترفع، وتحت منه كان في كيس بلاستيك أسود متغطي بتراب سنين.
استغربت.. أمي عمرها ما خبت حاجة عني. مسكت الكيس وفتحت العقدة بتاعته. كان جوا أوراق رسمية، ومظروف أصفر مقفول بجمع أحمر، وتحت منه فلاشة ميموري صغيرة جداً، وكارت ميموري بتاع تليفون قديم. فتحت الأوراق الرسمية تحت اللمبة، عيني وسعت ولساني اتلجم.. عقد بيع وشراء شقة مساحتها 200 متر في منطقة التجمع الخامس! العقد باسم مين؟ باسم “سيد إبراهيم عبد المتعال”.. جوزي! بتاريخ من سنة فاتت! وتحت منه عقد ملكية عربية هيونداي أحدث موديل باسمه برضه، وشهادة استثمار في البنك الأهلي بمبلغ مليوني جنيه!
وقفت مكان مش قادرة أستوعب. سيد اللي يقنعني كل شهر إنه مش قادر يدفع إيجار شقة المطرية؟ سيد اللي كان بياخد مني مصاريف البيت من الفكة اللي أمي بتديهالي؟ سيد اللي بيسيبني أستلف من أمه عشان أصرف على بنته؟ منين جاب كل الفلوس دي؟ وأهم من ده كله.. الأوراق دي بتعمل إيه في نملية أمي؟ ليه أمي كانت محتفظة بأسرار جوزي عندها في الدكانة من غير ما تقولي؟ فتحت المظروف الأصفر المقفول بالجمع الأحمر، لقيته خطاب مكتوب بخط إيد أمي، ورقتها كانت صفرا وخطها المكسر اللي بعرفه من وسط مليون خط. قعدت على الكرسي ورجلي بترعش، وقريت الخطاب:
> “يا فوزية يا بنتي.. لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا بقيت عند ربنا، وأنتِ فتحتي السر اللي كنت خايفة أواجهك بيه وأنتِ في عصمة الندل ده. سيد جوزك مش مجرد موظف غلبان في شركة المقاولات زي ما فهمك.. سيد ده هو اللي كان بيمشي الأوراق المضروبة للشركة، بيسرق مواد البناء ويبيعها لحسابه مع ناس كبار، ولما عرفت بالصدفة من واحد تاجر في السوق كان بياكل عندي وراني أوراق بالصدفة، واجهت سيد.. سيد هددني ببنتي وبحفيدتي، وقال لي لو فتحت بقي هيحرمك من بنتك وهيتبلى عليكي.
أنا سكت يا فوزية وخبيت الأوراق دي هنا، وكنت بسجل له مكالمات ورسايل على الفلاشة دي، عشان النهار اللي يفكّر يذليكي فيه أو يرميكي، تكسري عينه وتأخدي حقك وحق بنتك منه بالقانون. الفلاشة دي عليها تسجيلات بصوته وهو بيبتز أصحاب الشركة وبيوزع سرقات الملايين.. خلي بالك من نفسك يا فوزية، ومتسبيش حقك.” > الرسالة نزلت عليا زي الصاعقة. أمي كانت شايلة الهم ده كله لوحدها؟ أمي كانت بتتستحمل قلة أدبه وقسوة أمه عشان خايفة عليا منه؟ وعشان كده أمه كانت بتكره أمي! عشان عارفين إن أمي ماسكة عليهم حاجة، لكن ما كانوش يعرفوا مكان الأوراق!
وفي لحظة، كل النقط اتجمعت في دماغي.. الاتصال بتاع الحتة شفيقة على أمي يوم المطرة! “تعالي يا أم ممدوح هاتيلي حلاوة طحينية نفسي فيها”.. شفيقة ما كانتش عايزة حلاوة! شفيقة وسيد كانوا شاكين إن الأوراق مع أمي في البيت أو معاها في شنطتها! نزلوا أمي في عز المطرة والزحمة عشان يفتشوا الدكانة أو يخلوا حد يزنقها! حادثة العربية اللي خبطت أمي وجمبها علبة الحلاوة.. هل كانت مجرد حادثة نصيب؟ ولا سيد وأمه ليهم يد في نزولها في التوقيت ده عشان يخلصوا منها؟!
جسمي قعر من الخوف والغضب. بصيت لندى وهي نايمة، وحسيت إن الضعيفة اللي كانت بتعيط من ساعة خلاص ماتت مع أمها. قمت وقفت، حطيت الأوراق والفلاشة جوة كيس بلاستيك ولفتها كويس وشلتها في وسطي تحت الهدوم. في نفس اللحظة، سمعت صوت حركة برة الدكانة. صوت خطوات جزمة بتمشي على الزلط بالبطء، وصوت تزييق صاج الباب الخارجي بتاع الحارة! تشنجت مكان. كتمت نفسي وجريت طفيت اللمبة النايلون. الدكانة بقت كحل. سمعت صوت مفاتيح بتتخبط في الباب الصاج بتاع الدكانة نفسها! حد برة بيحاول يفتح القفل بمفتاح معاه!
همست بصوت واطي جداً: “مين؟” ما حدش رد، بس صوت تكة القفل وهو بيتفتح كان واضح. الباب الصاج اترفع شبرين، وظهرت فردة جزمة رجالي، وبعدها دخل خيال راجل طويل معاه كشاف موبايل قوي. النور بتاع الكشاف ضرب في وشي، وسمعت الصوت اللي بيطاردني في كوابيسي.. صوت سيد! سيد دخل بالراحة، ووراه أمه الحتة شفيقة، لافة ملاية لفة على رأسها وعينيها بتلمع في الضلمة زي التعلب. سيد ابتسم ابتسامة خبيثة وقفل الباب الصاج وراه بالمفتاح، وقال بصوت واطي ومخيف:
“كنت عارف إنك هتيجي هنا يا فوزية.. أصل المضروب ملوش إلا مطرحه.” شفيقة قربت بخطوات بطيئة، وقالت بشتيمة: “فاكرة نفسك ذكية يا بت أم ممدوح؟ فاكرة لما تسيبي البيت وتعملي فيها السبعة وذمتها هتفلتِ منينا؟ طلّعي اللي أمك خبته هنا يا فوزية بدال ما ندفـ,ـنك جنبها الليلة دي!” وقفت قدام ندى عشان أحميها بجسمي، وقلت بصوت محشور بس ثابت: “أوراق إيه؟ أنتوا بتتكلموا عن إيه؟ أنا جاية آخد هدوم أمي ورزق بنتي!”
سيد قرب خطوتين، وضوء كشافه كان عمي في عيني، وطلع من جيبه مطواة قرن غزال فتحها بفرقعة سمعت في أركان الدكانة الفاضية. “ما تستهبليش يا فوزية!” سيد قالها وهو بيجز على سنانه، “أمك الملـ,ـعونة كانت قايلالي قبل ما تمـ,ـوت إنها محتفظة بالأوراق والفلاشة في الدكانة.. أنا دورت في شقتها وما لقيتش حاجة. وأنتِ أول ما خرجتي بالمفتاح القديم ده، عرفت إنك جاية تاخديهم. هاتيهم بالذوق، بدل ما البت الصغيرة دي تصحى تلاقي نفسها يتيمة الأب والأم في ليلة واحدة!”
شفيقة ضحكت بصوت واطي وشرير: “قولها يا سيد.. قولها إن أمها السرعة خبطتها عشان كانت فاكرة نفسها هيلف حبل الدنقا حوالين رقبتك. أمها طمعت وقالت هتبلغ الشركة، فكان لازم تتأدب.” الكلام نزل عليا زي السم. أنتوا.. أنتوا اللي ق/تلتوا أمي؟! دمي فار، والدموع جفت في عيني. ما بقاش في خوف.. بقا في رغبة واحدة بس: الانتقام. قلتله وأنا بإيدي التانية ورا ضهري بلمس إيد هراسة البطاطس التقيلة الحديد اللي كانت محطوطة على بنك التقطيع:
“أمي ما طمعتش يا سيد.. أمي كانت عايزة تحميني من حرامي ونصـ,ـاب وقـ,ـاتل زيّك! الفلوس اللي سـ,ـرقتها من الشركة، الشقة اللي في التجمع، والعربية.. فاكر إنك هتهـ,ـرب بيهم؟” سيد عيونه اتسعت من الصدمة لما عرف إنني عرفت التفاصيل: “أنتِ فتحتي المظروف؟” شفيقة صرخت فيه: “اخلص عليها يا سيد! خذ منها البتاع واخلص، المطرية فاضية والمطرة مغطية على كل حاجة!” سيد رفع المطواة وقرب مني بسرعة، في اللحظة دي، ندى صحيت وصرخت بعلو صوتها: “بابا! لا يا بابا!”
صوت صراخ ندى كان الإشارة.. سحبت هراسة البطاطس الحديد بكسرة إيد وضربت بيها على إيد سيد اللي شايلة المطواة بكل قوتي! سيد صرخ صرخة مكتومة والمطواة وقعت منه على الأرض الصاج، اتكبلت عليه وزقيته بكل جسمي فوقع على الترابيزة الصاج القديمة، الترابيزة اتكسرت بيه واتقلبت البضاعة كلها فوقه.
