منوعات

رجعت قبل ميعادي عشان افاجئ مراتي

شفيقة جرت عليا تحاول تضربني وتشدني من شعري، ضربتها بكوعي في صدرها رجعتها ورا، وصرخت في ندى: “اجري يا ندى افتحي الباب الصاج واطلعي الشارع!” ندى جرت بذكاء الأطفال على الباب، بس سيد قام زي الثور الهيجان، مسكني من زوري وضغط عليه بكل قوته وهو بيصرخ: “والله ما ه تطلعي من هنا عايشة يا فوزية! الأوراق دي فيها إعدامي!” نفسي بدأ يقطع، الرؤية بدأت تظلم قدام عيني، وإيده كانت زي الحديد على رقبتي.. أمه شفيقة كانت واقفة بتضحك وتقول: “اعصرها يا سيد! اعصرها وانخلص!”

وأنا بفقد الوعي، إيدي لمست حاجة على الألواح الخشبية بتاعة البوتجاز.. علبة الكبريت الكبيرة والغاز اللي أمي كانت بتستعمله عشان تسخن بيه الحلة! بآخر حبة قوة فاضلة فيا، فتحت صمام أنبوبة الغاز اللي كانت جنب البوتجاز، الغاز بدأ يطلع بصوت صديد قوي وريحة نفاذة مليت المكان في ثواني. سيد اتفاجئ بريحة الغاز وارتخى ضغطه على رقبتي لحظة.. سحبت نفسي بالعافية، وطلعت عود كبريت من العلبة، ورسخـت عيني في عينه وقلت له بصوت حشرجة:

“لو قربت خطوة كمان.. الدكانة باللي فيها بالسر بتاعك بالفلوس الحرام هيروحوا في الهواء!” سيد ثبت مكانه، وشفيقة صرخت برعب: “مجنونة! هتعمليها يا فوزية?!” “عملتها خلاص!” رميت عود الكبريت المولع مش على الغاز، رميته على كيس الفلفل الأسود الناعم والشطة اللي كان محطوط في الرف الفوقاني! الدخان والشطة طاروا في وش سيد وأمه في ثواني! سيد وأمه بدأوا يعطسوا ويتعموا من الشطة اللي دخلت في عينيهم وصدورهم، وبدأوا يصرخوا مش عارفين يتنفسوا ولا يشوفوا.

استغليت اللحظة، سحبت ندى في حضني، وطلعت أجرّي برة الدكانة، وقفت الباب الصاج من برة وقفلته بالقفل القديم بكل قوتي، وسيبتهم محبوسين جوة بيتعصروا من الشطة والغاز! جريت في الحارة وأنا بصوت بعلو صوتي: “لحقوووونا! حريقة! حرامية جوة دكانة أم ممدوح!” في ثواني، أهل الحارة والشباب اللي قاعدين على القهوة في أول الشارع اتجمعوا، طلعوا يجروا بالصفافير والعصي، وكسروا قفل الدكانة وطلعوا سيد وأمه وهما بينهجوا ومش شايفين قدامهم من الشطة والغاز ومستويين!

قبل ما سيد يقدر ينطق كلمة واحدة أو يبرر وجوده في دكانة أمي في نص الليل بمطواة، كانت عربية الشرطة اللي طلبها واحد من أهل الحارة وصلت. وقفت قدام الظابط، وأنا جسمي بيلف ودموعي نازلة، وشديت الكيس البلاستيك من وسطي وحطيته في إيد الظابط قدام كل أهل الحارة: “يا باشا.. الراجل ده وأمه حاولوا يق/تلوني الليلة دي عشان يسرقوا الأوراق دي.. الأوراق دي فيها سـ,ـرقات ملايين من شركة المقاولات، وفيها اعترافات بصوت جوزي سيد إبراهيم وهو بيبتز النيابة والشركة، والأهم من كده.. الأوراق دي هي السبب في قت/ل أمي أم ممدوح اللي دهسوها بالعربية أول امبارح!”

الشارع كله اتخرس. سيد وشفيقة وشوشهم اصفرت وبقت زي الجث/ث. الظابط فتح المظروف، وبص في الفلاشة والأوراق، وبعدين بص لسيد بنظرة صلبة، وقال للعساكر: “كلبش المتهم والمتهمة.. هاتهم على القسم فوراً!” سيد وهو بيتكلبش بيكلمني بغل وهو بيتسحب: “مش هسيبك يا فوزية! والله ما هسيبك!” رديت عليه وأنا ماسكة إيد ندى وقاطعة كل عرق خوف جوايا: “أنت خلاص انتهيت يا سيد.. والمفتاح اللي كنت فاكره بتاع دكانة كبدة، كان مفتاح باب السجن اللي هتتردم فيه طول عمرك.”

عدت ثلاث أشهر.. القض/ية أخدت مجراها بسرعة الصاروخ. التسجيلات اللي على الفلاشة كانت قاطعة، الشركة رفعت قضايا اختـ,ـلاس وتزـ,ـوير، والنيابة فتحت تحقيق جديد في حادثة وفاة أمي بعد ما ثبت إن العربية اللي خبطتها كانت مأجرة من صاحب سيد! سيد أخد 15 سنة سجن مشدد، وأمه شفيقة أخدت 7 سنين بتهمة التستر والمشاركة في الشروع في الق/تل. أنا ونُدى قعدنا في شقة صغيرة هادية، فتحت دكانة أمي من جديد بعد ما جددتها، وكتبت عليها يفطة كبيرة بالأنوار البيضا: “مطعم أم ممدوح وفوزية.. للقمة الحلال”.

وفي يوم، وأنا واقفة بقلّب حلة المحشي والزبائن مالية المكان، دخل راجل بأناقة واضحة يرتدي بدلة كاملة، ومعاه شنطة جلد سودا. وقيل لي إنه المحامي الخاص بشركة المقاولات اللي سيد سرقها. الراجل قرب مني، حط المظروف على الكاونتر وقال بابتسامة احترام: “مدام فوزية.. الشركة بتشكرك إنك أنقذتيهم من عملية النصب الكبيرة دي، والورق اللي قدمتيه كان السبب في استرداد 10 مليون جنيه. مجلس الإدارة قرر يمنحك مكافأة مالية، بالإضافة لنصيبك الشرعي في الشقة والعربية بتوع سيد بعد ما اتحفظ عليهم.”

بتسمت وقلت له: “شكراً يا أستاذ.. بس أنا ورث أمي ورزق إيدي مفيش أحسن منه.” أخدت المكافأة واستخدمتها عشان أكبر المطعم وأعمل مؤسسة إطعام صغيرة باسم “أم ممدوح” لتوزيع الوجبات على الغلابة في الحارة كل يوم جمعة. وفي ليلة، بعد ما قفلت المطعم، كنت قاعدة أنا وندى بنشرب شاي بالنعناع، وندى بتعد الفلوس الفكة في العلبة، التليفون الأرضي بتاع المطعم رن.. رفعت السماعة وقلت: “ألو.. مطعم أم ممدوح.” جالي صوت غريب، مشوش، جاي من تليفون عمومي جوة سجن طرة.. صوت سيد، بس كان بيتكلم بنبرة مرعبة ومختلفة تماماً عن أي وقت فات:

“فاكرة إن القصة خلصت يا فوزية؟ فاكرة إن الفلاشة اللي أمك سابتهالك كانت هي السر الوحيد؟.. أمك ما قالتلكيش على الحقيقة كاملة.. أمك ما قالتلكيش أنتِ تبقي بنت مين أصلاً.. ولا الفلوس اللي في التجمع دي كانت بتاعة مين!.. استني الرسالة الجاية يا… يا بنت الحسب والنسب.” الخط قطع.. وصوت الصفارة رن في ودني. وقفت مكان، ايديا اترعشت، وطلعت مفتاح أمي الصدي من جيبي وبصيت له.. هو المفتاح ده.. لسه في أبواب تانية ما اتفتحتش؟!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى