لكن أكرم مبصش له، واتجه مباشرة لنهى ومد إيده يصافحها باحترام. “كل المستندات وصلت يا مدام نهى، والمراجع القانوني خلّص مراجعة آخر التحويلات.” شريف اتسمرت رجله في الأرض. “إنت… إنت متفق معاها؟” أكرم أخد نفس طويل وقال: “أنا متفق مع الحق. وبصراحة، أنا كنت ساكت كتير.” نهى فتحت ملف جديد وقالت: “عارف ليه كنت مخلياك تكمل؟ لأن أي قرار كنت بتاخده كنت محتاجة يبقى موثق، وكل مخالفة كنت بتعملها كانت بتتقيد بتاريخها.”
شريف قرب منها وقال بصوت واطي: “يعني كنتِ مخططة لكل ده؟” “لا… أنا كنت مستنياك توقف. لكن إنت كل يوم كنت بتثبت إنك مستعد تخسر كل حاجة علشان غرورك.” أكرم طلع فلاشة صغيرة من جيبه وحطها على الترابيزة. “دي فيها تسجيلات من اجتماعات الشركة، وإيميلات خرجت من حسابك الشخصي، وتعليمات منك للمحاسبة يغيروا بنود المصروفات.” شريف حاول يخطف الفلاشة، لكن فرد الأمن منعه. ندى كانت واقفة بتعيط. بصت لشريف وقالت: “إنت قلتلي إن مراتك عايشة على فلوسك… وإن الشركة دي إنت اللي بنيتها.”
شريف مطأطأش راسه، لكنه مقدرش يرد. نهى قالت بهدوء: “الشركة دي كانت شركة والدي، وبعد وفاته أنا وإخواتي ورثناها. شريف دخل شريك بعد الجواز بسنين، ولأنه كان شاطر في الإدارة، سيبتله المساحة يشتغل… لكنه افتكر إن الإدارة معناها الملكية.” أكرم كمل كلامها: “وأول ما بدأ يستخدم نفوذه لمصلحته الشخصية، بلغنا مدام نهى.” شريف بص لأكرم بصدمة. “إنت اللي بلغت؟” “أيوه… لأني أقسمت أحافظ على الشركة، مش على أخطاء صاحبها.” في اللحظة دي، رن موبايل شريف تاني.
كان ابنه عمر. بص للشاشة واتردد يرد. نهى قالت: “رد… الولاد مالهمش ذنب.” رد شريف بصوت مهزوز. “أيوه يا عمر.” لكن اللي سمعه خلاه يقعد على الكرسي من الصدمة. “بابا… في صحفيين واقفين قدام البيت، وماما مش هنا… هو حصل إيه؟” شريف مقدرش يرد. نهى أخدت الموبايل منه برفق وقالت: “متخافش يا حبيبي، أنا جاية في الطريق، وإنت خد بالك من أختك واقفلوا الباب كويس.” قفلت المكالمة، وبعدين بصت لشريف وقالت:
“أنا وعدت ولادي إن مهما حصل، هفضل أحميهم. لكن إنت للأسف، الليلة دي بدأت تدفع تمن كل قرار غلط أخدته.” وفي اللحظة دي دخل أحد الموظفين بسرعة، وهمس في ودن نهى بكلمتين فقط. تغيرت ملامحها لأول مرة… رفعت عينيها لشريف وقالت: “واضح إن في حد سبقنا كلنا… وبعت للصحافة ملف أخطر بكتير من اللي معايا، ولو اللي فيه حقيقي… فإنت مش هتخسر شغلك وبس، إنت ممكن تخسر حريتك كمان.”
بعد دقائق، وصل رجال المباحث الاقتصادية ومعاهم أمر رسمي بالتحفظ على كل المستندات الخاصة بالقضية. الفندق كله بقى في حالة صمت، وكل عين كانت متعلقة بشريف اللي من ساعات قليلة كان داخل المكان وهو فاكر إنه أغنى وأقوى واحد فيه، ودلوقتي بقى واقف مش لاقي كلمة يقولها.الضابط قرب منه وقال بهدوء: “أستاذ شريف عز الدين… حضرتك مطلوب للتحقيق في بلاغات خاصة بإهدار أموال الشركة والتلاعب في المستندات المالية.” شريف بص لنهى برجاء لأول مرة في حياته.
“نهى… بالله عليكي… مش علشاني… علشان الولاد.” نهى نزلت عينيها للحظة، واتنهدت. “أنا عمري ما فكرت أنتقم منك. لو كنت عايزة أنتقم، كنت فضحتك من أول غلطة. أنا استنيت يمكن ترجع لعقلك… لكن كل مرة كنت بتتمادى أكتر.” ندى كانت واقفة بتبكي. قربت من نهى وقالت: “أنا آسفة… والله ما كنت أعرف إنه متجوز، ولما عرفت قالي إنكم منفصلين وهتطلقوا قريب.” نهى مسكت إيدها وقالت: “إنتِ غلطتي إنك صدقتي إنسان كذاب… لكن أكبر غلط كان غلطه هو.”
ندى شالت خاتم كان شريف جابهولها من شنطتها، وحطته قدامه على الترابيزة. “خليه… أنا مش عايزة أي حاجة جت من واحد كداب.” وسابت المكان وهي مكسورة. شريف حاول يجري وراها، لكن رجال الأمن وقفوه. في اللحظة دي وصل عمر وليان مع جدتهم بعد ما نهى طلبت منهم ييجوا. أول ما الولاد شافوا أمهم، جريوا حــ,,ـــــضنوها. عمر بص لأبوه وقال بدموع: “بابا… هو الناس بتقول عليك كلام وحش… ده حقيقي؟” شريف مقدرش يرد.
كان أول مرة في حياته يحس إنه صغير قدام ولاده. نهى ركعت قدامهم وقالت بهدوء: “اسمعوني كويس… أبوكم غلط، وكل إنسان ممكن يغلط، لكن اللي يفرق هو إنه يتحمل نتيجة غلطه. وإحنا مهما حصل هنفضل عيلة، ومش هسمح لحد يكرهكم في أبوكم.” شريف انفجر في العياط. “سامحيني يا نهى… أنا ضيعت كل حاجة.” ردت وهي واقفة بثبات: “إنت ضيعت احترامك قبل أي حاجة… والاحترام لما بيتكسر، بيرجع بصعوبة.” بعد شهور، المحكمة أصدـ,,ـــرت حكمها. شريف اتحاسب على المخالفات المالية، وخسر منصبه وكل أسهمه اللي كانت باسمه بسبب البنود القانونية اللي كان مضى عليها بنفسه.
أما نهى، فرجعت تدير المجموعة بنفسها، وطورت الفنادق وفتحت فرص شغل لمئات الشباب، وبقت من أنجح سيدات الأعمال في مصر. ندى كملت شغلها في شركة تانية، وبدأت حياة جديدة، واتعلمت إنها متصدقش الكلام، لكن تصدق الأفعال. أما شريف، فخرج بعد ما خلص إجراءات قضيته، لكنه خرج إنسان مختلف. بقى يزور ولاده بانتظام، وحاول يصلح اللي يقدر عليه، حتى لو كان عارف إن بعض الحاجات عمرها ما هترجع زي الأول. وفي آخر مقابلة بينهم، وقف قدام نهى وقال: “إنتِ كنتِ تقدري تدمريني تمامًا… ليه سبتِلي فرصة أبدأ من جديد؟”
ابتسمت نهى وقالت: “لأن العدل غير الانتقام. أنا أخدت حقي، لكن مش من حقي أضيع مستقبلك لو قررت فعلًا تتغير. أهم درس اتعلمته إن الفلوس بتبني شركات… لكن الأخلاق هي اللي بتحافظ عليها.” خرج شريف وهو لأول مرة ماشي من غير حرس، ولا عربية فاخرة، ولا موبايل بيرن كل دقيقة… لكنه كان شايل معاه درس عمره ما هينساه. إن أكبر قوة مش إنك تملك الناس أو الفلوس… أكبر قوة إنك تملك ضميرك، لأن اللي بيخون الثقة، في الآخر بيخسر كل حاجة، حتى لو كان فاكر إنه كسب الدنيا كلها.