داخل بالشكل ده… لكن ضميري منعني أسكت.
كريم قرب منه بعصبية وقال
حضرتك مين؟
رد بهدوء
اسمي عماد… وكنت مدير أعمال الآنسة ندى لمدة ثلاث سنين.
القاعة بقت ساكتة تمامًا.
ندى صرخت فيه
اطلع برا… أنت مطرود من زمان!
ابتسم عماد وقال
صحيح… اتطردت يوم ما رفضت أشارك في حاجة غلط.
وبعدين رفع الظرف وقال
والدليل كله هنا.
ندى جريت ناحيته تحاول تاخد الظرف من إيده.
لكن أفراد الأمن كانوا أسرع.
وقفوا بينها وبينه.
أبوها بص لها لأول مرة بخوف وقال
ندى… إيه اللي بيحصل؟
هي ما ردتش.
كانت عينيها كلها رعب.
أما عماد، ففتح الظرف قدام الجميع، وطلع مجموعة أوراق وصور، وقال
قبل ما أي حد يحكم… لازم يعرف إن اللي حصل مع والدة العريس النهارده… ما كانش أول مرة.
كريم اتجمد مكانه.
أما أنا…
فحسيت إن الحقيقة اللي كنت فاكرة إنها انتهت…
لسه بدايتها.
وفجأة…
رن هاتف عماد.
بص في الشاشة، واتغير لون وشه.
رفع عينيه لندى وقال
للأسف… الشخص اللي كان هيشهد بكل حاجة… وصل الفندق دلوقتي.
ندى شهقت بصوت مسموع…
وهمست لنفسها
مستحيل… هو لسه عايش؟!
وساعتها…
اتفتحت أبواب القاعة ببطء…
ودخل شخص، وما إن وقع نظر ندى عليه حتى سقط منها باقة الورد من شدة الصدمة…
يتبع…أصوات الهمس انتشرت في القاعة.
كل الأنظار اتجهت ناحية باب الدخول.
ندى كانت واقفة مكانها، وشها شاحب، وإيديها بتترعش.
الشخص اللي دخل كان راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي بسيطة، وماسك حقيبة جلد سوداء.
أول ما قرب، قال بهدوء
مساء الخير.
ندى هزت رأسها بعنف وقالت
أنا… أنا معرفوش.
لكن الراجل رد فورًا
غريبة… مع إنك من شهرين كنتي بتتصلي بيا كل يوم تقريبًا.
كريم بص لندى باستغراب.
إيه الكلام ده؟
ندى حاولت تضحك وقالت
أكيد متلخبط بيني وبين حد تاني.
الراجل فتح الحقيبة، وطلع منها ملف سميك.
وقال
أنا خبير أمن إلكتروني، واتطلب مني أصلّح نظام المراقبة في فيلا مدام
بعد ما تعطل.
قلبي دق بسرعة.
دي كانت أول مرة أعرف إن المحامي ما اكتفاش بإلغاء التحويل…
كان كمان طلب فحص كامل للنظام.
فتح الملف، وقال
بعد الفحص، اكتشفنا إن كاميرات المراقبة ما تعطلتش بسبب عطل فني.
وسكت لحظة.
القاعة كلها كانت حابسة أنفاسها.
ثم أكمل
تم إيقافها باستخدام رمز دخول صحيح، من جهاز محمول اتوصل بالشبكة داخل الفيلا.
ندى صرخت
وده يثبت إيه؟ أي حد كان يقدر يعمل كده.
الرجل هز رأسه وقال
صحيح… لو كان أي حد يعرف كلمة المرور.
ثم أخرج ورقة أخرى.
لكن كلمة المرور اتغيرت قبل الحادث بثلاثة أيام… واللي طلب تغييرها كان شخص مسجل باسمه.
رفع الورقة.
وقال بوضوح
الطلب اتعمل باستخدام بطاقة الهوية الخاصة بالآنسة ندى.
القاعة انفجرت همسًا.
أبو ندى خطف الورقة من إيده وبدأ يقراها.
وأمها كانت بتبص لبنتها في ذهول.
أما كريم…
فأول مرة من بداية اليوم، بص لندى من غير ما يدافع عنها.
قال بصوت منخفض
ندى… الكلام ده حقيقي؟
ندى اتلعثمت.
أنا… أنا… كنت بس…
لكنها سكتت.
في اللحظة دي، قرب المحامي مني وهمس
لسه في حاجة أهم.
استغربت.
قال
وأظن الوقت جه إنها تتقال.
مد إيده، وسلمني ظرف أبيض كان مقفول بالشمع الأحمر.
وقال
ده الظرف اللي المرحوم محمود سلّمهولي قبل وفاته، وقال مايتفتحش إلا لو حصلت خيانة للأمانة أو محاولة استغلال للعائلة.
بصيت للظرف، وإيدي بدأت ترتعش.
كان عليه بخط إيد جوزي
يفتح عند الضرورة فقط.
رفعت عيني ناحية كريم…
ولقيته هو كمان باصص للظرف، وعينيه مليانة قلق.
أما ندى…
فلأول مرة، فقدت هدوءها تمامًا، وصرخت
ما تفتحيهوش!
وساعتها… عرفت إن اللي جواه أخطر بكتير مما كنت أتخيل.
يتبع…بصيت لندى وهي بتصرخ
ما تفتحيهوش!
الصمت نزل على القاعة كلها.
حتى الفرقة الموسيقية بطلت تعزف.
المحامي بص للحضور وقال بهدوء
الظرف ده أمانة عندي من خمس سنين… وما كانش مسموح أفتحه إلا في ظرف استثنائي.
فتحت الشمع الأحمر
ببطء…
وطلعت ورقة مكتوبة بخط محمود.
أول ما شفت خطه، دموعي نزلت من غير ما أحس.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
لو الرسالة دي اتفتحت… يبقى غالبًا فيه حد حاول يستغل ثقة مراتي أو يطمع في تعب عمرنا.
القاعة سكتت تمامًا.
وكملت
عشان كده، أنا نقلت كل أصول العيلة لصندوق عائلي، ومفيش أي تحويل، ولا بيع، ولا تنازل، يقدر يتم بمجرد جواز كريم.
همهمة قوية انتشرت بين المعازيم.
ندى فتحت عينيها بصدمة.
أنا نفسي اتفاجئت.
كملت القراءة
أي شخص هيدخل العيلة، لازم يثبت خلال سنة كاملة إنه بيحترمها ويحافظ عليها. وبعد السنة، مجلس الأمناء هو اللي يقرر إذا كان كريم يستلم الإدارة الكاملة أو لأ.
كريم بص للمحامي بدهشة وقال
أنا… أول مرة أسمع الكلام ده.
المحامي هز رأسه وقال
لأن دي كانت وصية والدك.
ندى فقدت أعصابها.
صرخت وهي بتبص لكريم
يعني إيه؟! يعني مفيش 120 مليون هينزلوا بكرة؟!
أول ما قالت الجملة…
اكتشفت إنها قالتها قدام كل الناس.
القاعة كلها بصتلها.
أبوها غمض عينيه بحرج.
وأمها حطت إيديها على وشها.
أما كريم…
فكان واقف مكانه، وكأنه لأول مرة شايف الإنسانة اللي اختارها.
ندى حاولت تصلح كلامها بسرعة.
أنا… أنا قصدي…
لكن محدش كان بيسمع.
في اللحظة دي…
النادل الصغير اللي كلمني قبل كده قرب من المحامي، وسلّمه فلاشة صغيرة.
وقال
دي لقيتها تحت الترابيزة اللي كانت العروسة قاعدة عليها وهي بتتكلم مع صاحبتها.
المحامي وصل الفلاشة بشاشة العرض الكبيرة الموجودة في القاعة.
ندى جريت وهي بتصرخ
اقفلوا الشاشة!
لكن كان فات الأوان…
وأول صورة ظهرت على الشاشة، خلت وش كريم يتغير تمامًا…
يتبع…المحامي طلع من الصندوق ظرفًا صغيرًا ومفتاحًا قديمًا، ومعاهم دفتر أسود عليه شعار شركة العائلة.
فتح الظرف الأول.
كان فيه ورقة مكتوب عليها بخط محمود
لو وصلتوا للمرحلة دي… يبقى الحقيقة ظهرت، والاختبار انتهى.
بصيت للورقة وأنا بحاول أتماسك.
المحامي
كمل القراءة
الثروة عمرها ما كانت أهم حاجة في حياتي. أهم حاجة كانت الشخص اللي هيحافظ على اسم العيلة بعدي.
ثم رفع الدفتر الأسود وقال
وده سجل مجلس أمناء الشركة.
فتح أول صفحة.
كان فيها أسماء أعضاء المجلس وتوقيعاتهم.
وفي آخر الصفحة، قرار مكتوب قبل وفاة محمود بأيام
في حالة ثبوت محاولة استغلال أو الإساءة لزوجتي، يتم تجميد أي هبات أو تحويلات مرتبطة بالزواج، ويُعاد تقييم كل الترتيبات بعد مراجعة مجلس الأمناء.
ساد الصمت.
ندى بصت لكريم، وقالت بصوت مرتعش
أنا… أنا غلطت.
دي كانت أول مرة تعترف.
لكن كريم ما ردش.
فضل باصص في الأرض، وكأن كل كلمة سمعها كانت بتهد جزء من الصورة اللي رسمها في خياله.
تقدمت ندى ناحيتي، وقالت
سامحيني… كنت متعصبة… ما كنتش أقصد كل اللي حصل.
بصيت لها بهدوء.
وقلت
الإنسان ممكن يغلط… لكن فيه فرق بين الغلط، وبين خطة اتعملت خطوة بخطوة.
ندى ما عرفتش ترد.
أبوها تقدم، واعتذر قدام الجميع عما بدر من ابنته، ثم طلب منها تخرج معاه من القاعة.
وقبل ما تمشي…
لفت تبص لكريم.
كانت مستنية إنه يجري وراها.
لكنه فضل واقف مكانه.
من غير كلمة.
ومن غير ما يبص لها.
أما أنا…
فقفلت الدفتر، وسلمته للمحامي.
وقلت للحضور
الفرح النهارده كان المفروض يبقى بداية حياة جديدة… لكن البداية الحقيقية لازم تقوم على الصدق والاحترام.
ثم نزلت من على المسرح.
ولأول مرة من الصبح…
حسيت إن الحمل اللي كان على قلبي بدأ يخف.
يتبع…أول صورة ظهرت على الشاشة…
ما كانتش صورة عادية.
كانت لقطة من كاميرا صغيرة داخل جناح الفندق، باين فيها ندى وهي قاعدة مع اتنين من صاحباتها قبل بداية الفرح بساعات.
الصوت كان واضح.
ندى كانت بتضحك، وبتقول
أهم حاجة إنها تصدق إن كل اللي حصل مجرد مقلب.
واحدة من صاحباتها سألتها
ولو عرفت إنك دخلتي أوضتها؟
ندى ردت وهي بتضحك
هتعمل إيه يعني؟ كريم عمره ما هيصدقها.
كريم بص للشاشة، وبعدها بص لندى. ولأول مرة قال بهدوء
قولي إن ده مش حقيقي.
ندى بلعت ريقها، وقالت
الفيديو متفبرك.
لكن في نفس اللحظة…
ظهر في الفيديو مشهد تاني.
ندى وهي ماسكة المقص، وبتقول
الفستان ده كمان لازم يختفي… عشان تعرف إن
زمنها خلص.
القاعة كلها شهقت.
وأبو ندى قام من مكانه وقال بغضب
كفاية!
ندى بدأت تبكي، وتحاول تمسك إيد كريم.
لكنه سحب إيده بهدوء.
وقال
ليه؟
ندى ما لقتش إجابة.
سكتت.
في اللحظة دي، تقدمت خطوة للأمام.
وبصيت للحضور كلهم.
وقلت
أنا ما وقفتش هنا عشان أفضح حد.
ولا عشان أنتقم.
أنا وقفت هنا عشان ابني يعرف الحقيقة قبل ما يبدأ حياته.
وبعدين بصيت لكريم مباشرة.
وقلت
الفلوس ممكن تتعوض… لكن الثقة لو ضاعت، صعب ترجع.
كريم نزل رأسه، وفضل ساكت كام ثانية.
ثم التفت لندى وقال بصوت مكسور
كان نفسي تكوني صادقة معايا… حتى مرة واحدة.
ندى حاولت ترد، لكن الكلمات خانتها.
وفي اللحظة دي…
اتفتح باب القاعة مرة تانية.
ودخل شخص يحمل صندوقًا صغيرًا مختومًا بشعار شركة العائلة.
اتجه مباشرة نحوي وقال
يا فندم… وصل دلوقتي من خزنة الشركة.
بصيت للصندوق باستغراب.
المحامي ابتسم لأول مرة من بداية اليوم، وقال
ده آخر جزء في وصية المرحوم محمود… واللي ما كانش يعرف عنه غير شخصين.
كل الأنظار اتجهت للصندوق…
حتى ندى، رغم انهيارها، رفعت رأسها تبص عليه.
وأول ما المحامي فك القفل…
اتغيرت ملامحه فجأة، وقال بصوت منخفض
واضح
إن المرحوم كان متوقع اليوم ده بالتفصيل…
يتبع…كريم فضل واقف مكانه، وكل الناس مستنية يعرفوا هيعمل إيه.
الدقائق كانت بتمشي ببطء.
وفجأة…
فك رابطة عنقه، وحط خاتم الجواز على الطاولة اللي قدامه.
بص لندى وقال بصوت هادئ، لكنه كان مليان وجع
أنا كنت مستعد أبدأ معاكي من الصفر… حتى لو ماكنّاش نملك غير بيت صغير.
لكن اللي حصل النهارده أثبتلي إن المشكلة عمرها ما كانت في الفلوس… المشكلة كانت في الأمانة.
ندى انفجرت في البكاء.
وقالت
اديني فرصة واحدة… هصلح كل حاجة.
كريم هز رأسه.
الثقة ما بتترجعش بالكلام.
ثم لف ناحيتي.
أول مرة من الصبح عينيه قابلت عيني.
وكان واضح إنه ندمان.
قرب مني ببطء…
ووقف قدامي وسط القاعة كلها.
وفجأة…
انحنى وقبّل إيدي.
وقال بصوت سمعه كل الموجودين
سامحيني يا أمي… أنا جرحتك لما ما صدقتكيش.
القاعة كلها سكتت.
دموعي نزلت من غير ما أعرف أوقفها.
رفعت إيده بسرعة، وضمّيته لحضني.
وقلت له
أنا زعلانة منك… لكن عمري ما هبطل أحبك.
بدأ بعض المعازيم يصفقوا بهدوء.
لكن المحامي أشار لي إنه لسه فيه حاجة أخيرة.
استغربت.
قال
فيه خطاب تاني… مكتوب باسم كريم فقط.
ناول الخطاب
لابني.
كريم فتحه بإيد مرتعشة.
بدأ يقرأ في صمت.
ومع كل سطر…
ملامحه كانت بتتغير.
ولما خلص…
رفع رأسه، وبص لي.
ثم قال
بابا كتب إنه كان عارف إن المال ممكن يفرق بين الناس… وعشان كده طلب مني لو جه اليوم اللي أشوف فيه أمي بتتعرض للظلم وأسكت… أبقى ما استحقش أدير تعبه.
ثم طوى الخطاب، وحطه في جيبه.
وقال قدام الجميع
أنا مش هلمس جنيه واحد من ثروة أبويا… إلا لما أكون استحقّيته.
في اللحظة دي…
شعرت إن محمود، رغم غيابه، كان حاضر بينا.
لكن قبل ما ينتهي كل شيء…
رن هاتف المحامي.
رد للحظات…
ثم نظر إليّ باستغراب شديد.
وقال
فيه خبر وصل حالًا من مقر الشركة… وهيغير كل اللي كنا فاكرينه عن الوصية.
وتجمّد الجميع في أماكنهم…
يتبع…المحامي قفل المكالمة، وبص لي وقال
أعتذر يا مدام… لازم أوضح حاجة قدام الجميع.
القاعة رجعت سكتت.
حتى اللي كانوا بيستعدوا يمشوا وقفوا مكانهم.
قال المحامي
من ساعة ما ألغينا التحويل، مجلس أمناء الشركة عقد اجتماع طارئ.
كريم سأله
وفيه إيه؟
رد
راجعوا وصية المرحوم محمود بالكامل… واكتشفوا إن فيه بند ما اتقراش النهارده.
فتح الدفتر مرة تانية.
وقرأ بصوت واضح
إذا
تعرضت زوجتي لأي إساءة أو محاولة استغلال بسبب الثروة، يكون لها وحدها حق التصرف في أموالها الشخصية كما تراه مناسبًا، دون أي التزام بوعد سابق.
همهمة خفيفة انتشرت بين الحضور.
بصيت للمحامي وقلت
يعني القرار بقى بإيدي؟
ابتسم وقال
من الناحية القانونية… نعم.
كل الأنظار اتجهت ناحيتي.
حتى ندى، اللي كانت واقفة عند باب القاعة، لفت تبص.
كانت مستنية تسمع إني حرمت كريم من كل حاجة.
لكنني بصيت لابني.
ولقيته واقف وعينيه كلها ندم.
قلت بهدوء
الفلوس عمرها ما كانت هدية مقابل الجواز.
وسكت لحظة.
كانت مكافأة لابن تعبت في تربيته.
دموع كريم نزلت.
كملت
النهارده أنا مش هصدر أي قرار وأنا متأثرة.
ثم التفت للمحامي.
وقلت
كل الأموال هتفضل زي ما هي… لحد ما يعدي وقت، وكل واحد يراجع نفسه.
المحامي هز رأسه موافقًا.
وأكمل إجراءات تثبيت القرار.
أما ندى…
فنزلت رأسها، ومشيت مع أهلها في هدوء، من غير ما تبص وراها.
ولأول مرة من بداية اليوم…
القاعة خلت من الصراخ.
فضلت أنا وكريم واقفين لوحدنا.
قال بصوت مكسور
ينفع أرجع أبدأ من جديد يا أمي؟
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت
البداية الجديدة محتاجة أفعال… مش وعود.
هز رأسه
وقال
وأنا مستعد أبدأ.
خرجنا سوا من القاعة.
وبرغم إن الفرح ما كملش…
إلا إني حسيت إن ابني رجع لي بعد ما كان هيضيع.
تمت.