منوعات

قابلت شاب غريب في المطار

بل بالعكس، مسكت وش مريم بين كفوفها الدافية
يا هبلة يا بنت هبلة.
متقوليش عليا كده.
هقولك كده لأنك فاكرة إن ست عندها 84 سنة مش هتعرف تقرأ الناس والعيون.
الست العجوزة ابتسمت
أنا من أول ما خرجت من البوابة وشفت الشاب ده واقف جمبك، عرفت في دقيقتين بس إنه مش جوزك.
نادر جسمه اتشد وبلع ريقه
أفندم؟ معقولة؟
مكنتش عارف تودي إيديك فين الجدة قالت بضحكة خفيفة . كنت بتبص لها عشان تاخد إذنها قبل ما تنطق بأي حرف.

ولما سألتك بتحب الرقاق واللحمة بتاعة بلدنا، قولت آه بس بصت لها كأنك بتمضي على عقد محكمة بالصيني ومغصوب عليه! ولما قولت إن فرحكم كان في الساحل، وشك قلب كأنك داخل عزا بالغلط!
مريم ضحكت من وسط دموعها، ونادر حط إيده على وشه بكسوف
ده أنا كنت فاكر إني مقفل الدور وخارب الدنيا في التمثيل!
أنت عملت اللي عليك وزيادة يا ابني الحاجة فوزية قالت . وعشان كده أنا ممشيتش وموقفتكش.
تيسير حواجبها عقدت بذهول
يا أمي.. طب لما أنتِ عارفة، كملتي التمثيلية دي ليه وعشتي الدور؟

الست العجوزة بصت لبنتها بنظرة حادة وقوية
عشان لأول مرة من سنين طويلة، أشوف بنتي واقف جمبها حد مش بيحكم عليها ولا بيجلدها.
تيسير نزلت عينيها في الأرض ومنطقتش.
الجدة كملت
شفت راجل غريب، ملوش أي مصلحة ولا مكسب، بيمسك إيدها، وبيغطي على سكاتها وخوفها، وبيشيل شيلتها وغلطتها قدامنا، وبيبص لها كأنها بني آدمة غالية مش مشكلة ومصيبة محتاجة حل سريع. في 40 دقيقة، وهو بيمثل، عامل بنتي واحترمها أكتر من رجالة حقيقيين كتير دخلوا حياتها.
نادر حس إن فيه حمل جبال اتشال من على صدره.. مش وجع، ده كان راحة غريبة وأمل رجعله.

الحاجة فوزية خدت الغويشة وحطتها في إيد مريم تاني وقالت
أنا ادهالك مش عشان مصدقة الجوازة.. أنا ادهالك عشان مصدقة اللي شفته بعيني حالاً.
مريم همست
بس إحنا مش متجوزين يا ماما فوزية.
أنا عارفة.
ولا حتى بنحب بعض أو مخطوبين!
وعارفة ده كمان.
الست العجوزة قفلت إيدين مريم ونادر سوا على الغويشة الذهب
أنا عشت 84 سنة في الدنيا دي. شفت ستات متجوزين بيعيطوا في حمامات الأفراح الفخمة وهما بيموتوا من القهر.

وشفت رجالة لابسين دبل وعمرهم ما كانوا رجالة ولا سند، وشفت رجالة من غير وعود ولا ورق وعندهم شرف وأصل أكتر من
عيلة كاملة. أنا مش محتاجة ورقة من مأذون عشان أعرف القلوب النضيفة والراجل اللي بجد.
تيسير مسحت دمعة هربت من عينيها بسرعة
يا أمي..
اسكتي أنتِ خالص دلوقتي يا تيسير. أنتِ عايزة تجوزي مريم كأنك بتقفلي ديون أو بتخلصي من حمل. مش شايفة غير اللي ناقص فين الجوز؟ فين الصور؟ فين العيال؟ فين اسم الراجل اللي هيشيلها؟ بس مريم مكنتش ناقصة ولا عايبة.. مريم كانت تعبانة ومتهددة.

الكلمة نزلت على تيسير زي القلم على وشها. مريم حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط.. لأول مرة حد في العيلة يقولها أنتِ مش صعبة، أنتِ مش متأخرة.. أنتِ بس تعبانة ومستهلكة.
الموظفة قربت تاني
يا فندم، البوابة هتقفل والطيارة هتتحرك.
الحاجة فوزية هزت رأسها
أنا هركب طيارتي حالا.. بس عايزة أقول حاجة واضحة. مريم، إياكِ تكدبي تاني عشان تسعديني، أنا عندي أعيط معاكِ وأنتِ صريحة، ولا إني أضحك على كدبة منك. وأنت يا نادر.. أنا مش عارفة إيه الجرح اللي شيله في جيبك مع الدبلة دي، بس وجعك باين في عينيك.

نادر بلع ريقه وصوته كان واطي
خطيبتي ألغت فرحنا من 8 أيام بالظبط.
مريم بصتله بذهول وصدمة.
نادر كمل
قالتلي إني راجل أمان ومضمون، بس مفيش فيا إثارة ولا أكشن.. أنا جيت المطار عشان ألغي حجوزات تذاكر شهر العسل، مكنتش متخيل إني هقع في فرح وهمي تاني.
الحاجة فوزية طبطبت على إيده وحركت رأسها
الناس اللي بتلخبط بين الإثارة والوشوشة الفاضية، ديماً بيفرطوا في الناس اللي بجد بتشيل البيوت وبتصونها.
تيسير، ولأول مرة، بصت لنادر بنظرة صافية من غير شك..

كأنها فهمت إن الراجل ده جه مكسور ومتبهدل زي مريم، ومع ذلك اختار إنه يساعد ويحمى بنت غريبة.
أنا أسفة.. تيسير قالتها صوت يدوب مسموع.
مريم مردتش.. مكنش أسف هيداوي سنين من الضغط، بس كان أول شرخ في الحيطة اللي بينهم.
الحاجة فوزية شاورت للموظفة
يلا بينا. بس أنتوا الاثنين هتكلموني أول ما أوصل السعودية.. أنتوا الاثنين، وسامعين؟ ومش عشان تمثلوا!
مريم حضنت جدتها بقوة
بحبك أوي يا ماما فوزية.
وأنا بحبك أكتر يا قلب جدتك.. ولو الراجل ده بقى حقيقي في يوم من الأيام، إياكِ تطفشيه بخوفك وعقدك.

ولو مبقاش حقيقي، اشكريه على ال 40 دقيقة دول.. فيه ناس مبتديش من عمرها ولا 4 دقائق.
نادر وطي عليها،
فالجدة مسكت وشه
أنت مش راجل مفيش حد يختاره يا ابني.. أنت راجل، اللي سابتك مكنتش بتعرف تشوف ولا تقدر الأصول.
لما الكرسي اختفى جوة الممر، مريم ونادر فضلوا واقفين قدام الإزاز بيبصوا على المدرج. الغويشة كانت بتلمع في إيد مريم.
أنا لازم أرجعلك دي مريم قالتها وهي بتشاور على حاجة.
بس جدتك كانت واضحة وقالت خليها معاكِ.
أنا مش بتكلم على الغويشة..

وشاورت على الدبلة الفضة اللي في صباعه
دي مكنتش عشاني ولا بتاعتي.
نادر بص لصباعه ونزل عينه
فعلاً.. بس النهاردة عملت حاجة أحسن بكتير من إنها تفكرني باللي خسرت وفشل.
مريم ضحكت ضحكة صافية
شكراً إنك مجريتش وسبتني في نص الهدوم.
أنا راجل بتاع حسابات ومخاطر.. في العادي بجري لما بكون هخسر، والريسك أعلى من المكسب.
والنهاردة؟
بص في عينيها وقال
النهاردة أنا محسبتش أي حاجة.
ودي كانت البداية..
هما محبوش بعض في 40 دقيقة، مع إن خالات مريم بعد كده حلفوا إنهم حبوا بعض من أول نظرة في المطار!

الموضوع مشي أهدى وأبطأ بكتير بدأوا بإنهم يقولوا لبعض الصراحة.
مريم كلمته في نفس الليلة، مش عشان الغويشة، بس عشان تطمن عليه وتعرف وصل الفندق ولا لأ. نادر رد عليها وهو قاعد في غرفته، وأوراق إلغاء الفرح والقاعة مفرودة قدامه على المكتب. اتكلموا 3 ساعات كاملة.
تاني يوم اتكلموا 4 ساعات.
في الأسبوع التالت، نادر سافر وراحوا سوا مكتبة في وسط البلد، نفس المكان اللي مريم ألفته في كدبتها. وقفوا قدام رف الكتب، ومريم زقت كتاب بكوعها وقصدت توقعه على الأرض.
وقالتله بابتسامة
عشان على الأقل يكون فيه جزء واحد حقيقي من الكدبة دي.

نادر وطى ولم الكتاب وادهولها
فرصة سعيدة جداً.. أنا الراجل اللي بوظ ليلة دخلتك في أوتيل مش فاكر اسمه.
ضحكت من قلبها بجد.
قعدوا شهور قبل ما ياخدوا خطوة حقيقية.. شهور من القهوة، والمكالمات، والسكوت المريح، وفيديو كول مع الحاجة فوزية، ومناقشات هادية ومختلفة مع تيسير، اللي بدأت تتعلم تسأل بنتها عن شغلها واستوديو التصميم بتاعها قبل ما تسألها هتتجوزي امتى ونفرح بيكي؟.
دنيا خطيبته القديمة ظهرت تاني لما عرفت إن نادر بدأ يدخل في قصة حب جديدة، بعتت له رسالة بتقوله إنها فرحانة إنه بقا جرئ وعايش اللحظة..

نادر مردش عليها، مش عشان شايل منها
أو زعلان، بس لأنه مابقاش محتاج رأيها أو تقييمها عشان يحس إنه تمام.
ومريم مخفتش من يوم وليلة.. ساعات كانت لسه بتحس إنها عبء وتأخرت عن كل بنات جيلها، وفي الأيام دي، نادر مكنش
بيقعد يحللها المشكلة.. كان بس بيقعد جمبها ويمسك إيدها ويقولها
أنتِ مش حمل تقيل يا مريم.. أنتِ بس تعبانة ومستهلكة، وده فرق كبير أوي.
بعد سنة كاملة.. اتجوزوا في فيلا صغيرة وهادية في تونة الجبل.

مكنش فرح أسطوري ولا فيه 300 معزوم، بس كان فيه ورد ياسمين، وقهوة عربي، وفرقة موسيقى هادية، والحاجة فوزية كانت قاعدة في أول صف بشالها الكشمير الأحمر وضحكتها اللي منورة الوش.
تيسير عيطت قبل الفرح.. مش عشان بتخلص من بنتها وبتسلمها، عشان فهمت أخيراً إن مريم مكنتش محتاجة حد يخلص منها أو يسترها.. مريم كانت محتاجة حد يحترمها ويقدرها زي ما هي.
الحاجة فوزية طلعت الغويشة من علبة قطيفة صغيرة، ولما جيت تلبسهالها، مقالتش عليها ورث ولا بركة
الغويشة دي بدأت بكدبة قالت قدام الكل . وبعدين بقت أمل ورجاء.. والنهاردة خلاص، بقت حقيقة وذكرى حلوة.

لبستها لمريم في معصمها، وبعدين بصت لنادر وغمزتله
وأنت يا جوز بنتي.. المرة دي أنت جوزها بجد وبتاعنا ومقيد في الدفاتر!
الكل ضحك ونادر عيط من كتر الفرحة.
ساعات نادر كان بيفتكر يوم المطار ده، والأسبوع اللي حس فيه إنه برة الحسبة ومحدش عايزه. بيفتكر دنيا وهي بتقوله إنك مفيش فيك إثارة، وبيفتكر مريم وهي بتكلبش في دراعه كأن هو طوق النجاة الأخير من الغرق والوجع.
هي طلبت منه 40 دقيقة بس..
بس ال 40 دقيقة دول رجعوا له أغلى حاجة ضاعت منه إحساس إنه ينفع يكون الخيار الأول والوحيد لحد.

ولمريم، ال 40 دقيقة دول ادوها حاجة مهمة بنفس الدرجة الأمان إنها مش محتاجة تألف قصص حب وهمية عشان تستحق الاحترام والتقدير من أهلها.
عشان فيه أهالي كتير بتسمي التحكم خوف ومصلحة، وفيه أمهات بتشوف حرية واختلاف بناتها كسفة وعار. وفيه ناس بتسخر من الراجل الهادي الراسي، ومن البنت السنجل، ومن أي حد مش بيعمل بروباجندا وزيطة عشان يثبت إنه موجود وله قيمة.
بس ديماً بيبقى فيه لحظات غريبة، غير متوقعة، وتبان مجنونة.. إيد بتغرق وبتدور على قشة، فتلاقي الإيد الصح والضهر السند في وسط مطار مليان بناس غريبة وميعرفوش
بعض.
وساعتها..

كدبة مدتها 40 دقيقة مش بتبوظ الحياة..
دي بتبدأها من أول وجديد.. وعلى نظافة وبجد.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى