دمعت من التأثر. مريم لفت وشها الناحية التانية.. الكلام كان كدب وتمثيل، بس مكنش كدب كامل. نادر مكنش يعرف حكايتها، بس كان حاسس بالوجع ده بالملي وجع إنك تكون شخص صح، ومثالي، ومريح.. وفي الآخر محدش بيختارك.
يا حبيبي يا ابني همست الجدة وهي بتمسح دموعها . هو ده الحب الحقيقي فعلاً.
تيسير سكتت لحظة، بس ملقطتش الأبيض، وقررت ترمي قنبلة تانية
وقضيتوا ليلة الدخلة في أنهي أوتيل بقى؟
السؤال نزل عليهم زي السكينة. مريم عصرت إيد نادر من تحت الترابيزة.. هما معندهمش الإجابة دي، ومفكروش يألفوا الجزء ده من القصة!
نادر ابتسم بكسوف مزيف وقال
هي هتذبحني لو حكيت، بس أنا بجد مش فاكر اسم الأوتيل!
تيسير رفعت حاجبها وسخرت
مش فاكر ليلة دخلتك كانت فين؟!
أنا فاكر مريم.. مش فاكر الحيطان. أنا حجزت غلط يومها، ولما وصلنا قالوا لنا مفيش حجز بالاسم ده والشركة لغت الغرفة، وقضيت الليلة بتحايل على مدير الأوتيل يوفر لنا أي مكان ننام فيه. مريم مثلت إنها مش زعلانة عشان متقفلنيش، بس من يومها وهي بتعايرني بالموضوع ده في أي خناقة عشان تكسبها!
مريم لقطت الخيط بسرعة وقالتي
ولحد دلوقتي لسه بعايرك وهفضل أذلها لك!
الحاجة فوزية ضحكت ضحكة عالية لدرجة إن اتنين مسافرين على الترابيزة اللي جمبهم لفوا يبصوا عليهم. ولأول مرة، تيسير شفايفها اترفت بابتسامة خفيفة أوي كأنها صدقت.
هنا، الست العجوزة بدأت تدور على حاجة تحت الشال الكشمير بتاعها. طلعت غويشة ذهب رفيعة، قديمة ومنقوش عليها ودلاية صغيرة فيها ورقة شجر. إيدها كانت بترتعش وهي بتمسكها.
دي كانت بتاعة أمي الله يرحمها الست العجوزة قالت . وبعدين بقت بتاعتي يوم ما اتجوزت جدك. عشت بيها 51 سنة كاملة. أنا جيبتها معايا النهاردة
عشان كنت عايزة ألبسهالك لما أشوف بعيني إنك مبقتيش لوحدك في الدنيا دي وبقى ليكي ضهر.
مريم اتسمرت في مكانها والدم هرب من عروقها
ماما فوزية.. لأ، أرجوكي بلاش دي..
الست العجوزة لبستهالها في معصمها وقفلت عليها
أنا كده هسافر وأنا مطمنة ومرتاحة البال.
ملامح مريم انهارت تماماً. نادر شاف في عينيها إنها خلاص هتنهار وتِعترف بكل حاجة حالا، قدام الست الوحيدة اللي بتحبها في الدنيا دي عشان تخلص من تأنيب الضمير.
بس قبل ما تفتح بوقها وتنطق بحرف، تيسير خدت خطوة لقدام وقالت بصوت واطي ومسموم
يا أمي..
قبل ما تهاديها بالحاجة الغالية دي، مش المفروض تسألي نفسك الأول هي بنتك ليه مش قادرة تبص في عين جوزها من غير ما تترعش وتموت من الرعب كده؟
وفي نفس اللحظة دي.. نداء المطار اشتغل على ركاب رحلة جدة التوجه لبوابة الصعود فوراً…
الجزء الثالث والاخير
مريم حست إن المطار كله بيميل بيها.
نداء المطار اتكرر تاني، بس هي مكنتش سامعة غير صوت أمها وصداه في ودنها.
الحاجة فوزية بصت لتيسير، ونظرات عينيها اتتحولت فجأة لحدة وقوة مكنتش باينة
تيسير.. ملوش لزمة تستغلي ال 40 دقيقة بتوعي عشان تكسري بنتك وتكسري فرحتها.
أنا مش بكسرها يا أمي! أنا بحاول أخليكي تفوقي وماتصدقيش كل كلامها.. هي طول عمرها كده، بتألف حكايات وقصص عشان تمشي اللي في دماغها وتداري خيبتها.
مريم حست بنار في زورها. بقالها سنين عايشة في الاسطوانة دي مريم بتهول.. مريم صعبة.. مريم مش ناضجة. كان عندها 30 سنة، صاحبة استوديو ديزاين ناجح وتحت إيدها 4 موظفات، بس في قعدات العيلة لسه بيعاملوها على إنها البنت اللي معرفتش تستقر.
العانس.. الغلطة.. العبء اللي الكل بيتوشوش عليه وبيتكلموا عنه أول ما الرز بلبن
والقهوة ينزلوا في العزومات.
نادر مكنش يعرف تفاصيل السنين دي كلها، بس لقط اللحظة اللي مريم كشت فيها وصغرت قدام أهلها. هو شاف نفسه بالملي في نفس الحالة دي لما دنيا سابته من أسبوع.
الحاجة فوزية مسكت إيد مريم بحنان
بصيلي يا بنتي.
مريم مش قادرة ترفع عينيها
ماما فوزية.. أنا..
موظفة المطار قربت من الكرسي
يا فندم، لازم نتحرك حالا على بوابة الصعود عشان الطيارة بتقفل.
الست العجوزة رفعت إيدها
هيستنوني دقيقة.
تيسير اتعصبت
يا أمي مش هينفع تضيعي الرحلة عشان كلام فارغ!
أنا في سني ده ممكن أضيع حاجات كتير أوي يا تيسير العجوزة ردت بحسم . بس مش هضيع بنتي وحفيدتي عشان مستعجلة.
نادر حس في اللحظة دي إنه لازم يتبخر من المكان. هو دخل الحكاية دي ك مُسكن مؤقت بدبلة وفرح ميتين أصلاً.. بس اللعبة وسعت وبقت مواجهة عائلية حقيقية.
نادر وطي وقال بحذر
ماما فوزية.. أنا شايف إنك لازم تلحقي طيارتك، وأنا ومريم هنشيل الغويشة دي ونحافظ عليها في عينينا.. بوعدك.
الست العجوزة بصتله نظرة طويلة أوي كأنها بتقرأ اللي جواه
أنت راجل طيب وابن أصول يا نادر يا حديدي..
بس برضه متتعاملش معايا كأني عيلة صغيرة ومش فاهمة.
نادر سكت وبلع ريقه ومبقاش عارف يقول إيه.
مريم رفعت رأسها مذهولة
هو أنتِ تعرفي اسم عيلته منين؟!
تيسير رجعت خطوة لورا ووشها جاب ألوان. الحاجة فوزية اتنهدت وقالت
عشان أمك هي اللي قالتلي من 3 شهور يا مريم.
مريم لفت وبصت لتيسير بصدمة
إيه؟!
تيسير وشها بقا أبيض بس حاولت تكابر وترفع رأسها
أنا مكنتش أعرف إذا كان الموضوع حقيقي ولا لأ!
موضوع إيه؟
الست العجوزة طبطبت على الغويشة
موضوع إنك مألفة حكاية الجواز دي كلها يا مريم.
مريم حست إن الأرض بتلف بيها
يعني أنتِ
كنتِ عارفة؟
كنت عارفة إن فيه حكاية كبيرة، بس مفيش راجل الجدة قالت . أمك كلمتني وهي بتعيط بالليل من 3 شهور، وقالت لي إنك بدأتي تخرفي وبتضيعي، وإنك مألفة قصة جواز وهمية، وطلبت مني أبطل أسألك عن حياتك عشان أنا بضغط عليكي بزيادة وبسببلي أزمة.
مريم بصت لأمها بكسرة
قولتي لجدتي إني بخرف وتعبانة في دماغي؟
عشان دي كانت كدبة ملوش آخر! تيسير انفجرت وزعقت بقالك سنتين بتتكلمي عن راجل محدش شافه ولا يعرفه!
بتقولي اسمه نادر، وشغال ليل نهار، واتجوزتوا في السر من غير ما حد يحضر! متخيلة شكلي وكسفتي قدام خالاتك وعماتك لما كانوا بيطلبوا يشوفوا صورته أو يقابلوه؟!
مريم ردت بصوت مخنوق
أنا مكنتش بعمل كده عشانكم أنتوا أصلاً.
بالظبط! أنتِ عمرك ما عملتي حاجة عشان العيلة دي!
مريم ضحكت ضحكة كلها وجع ودموع
أنا عملت كده عشانها هي!
وشاورت على جدتها كملت
عشان كل مرة كنت باجي أزورها فيها، كانت بتمسك وشي وتقولي أنا بس عايزة أطمن إنك مش هتفضلي لوحدك لما أموت والبركة تروح.
أنا كنت بنزل من عندها وأنا بعيط، مش عشان أنا لوحدي، عشان أنتوا أقنعتوني إن البنت من غير راجل وجواز تعتبر مصيبة وما تسواش حاجة. في يوم قولت لها إني اتجوزت وعرف حد عشان تنام وهي مرتاحة ومطمنة. ولما شفت ضحكتها يا أمي.. لما شفت الفرحة في عينيها، مكنتش قادرة أسرق منها الفرحة دي وأقولها إني كدبت.
تيسير فتحت بوقها ومطلعتش ولا كلمة.
مريم بدأت تقلع الغويشة الذهب وإيدها بترتعش
بس الأمانة دي أنا مش هقدر أقبلها.. مش هقدر أشيل 51 سنة من الحب الصافي على حس كدبة.
حطت الغويشة في حجر جدتها وانهارت من العياط
سامحيني يا ماما فوزية.. سامحيني إني كدبت عليكي وجبت راجل غريب من المطار يمثل معايا.. أنا
بس مكنتش عايزاكي تسافري وأنتِ شايلة همي.
الحاجة فوزية ممدتش إيدها للغويشة،
