كانت حماتي تعرف أن ابنها الوحيد عقيم ولن ينشب له نسل. لكن بسبب عقليتها الصعيدية القديمة ومجتمعها الذي يوصم الرجل العقيم، رفضت التقبل، وقررت أن تعيش في كذبة وتلبسها لامرأة مظلومة تُدعى ندى!
اكتشفت من خلال الملاحظات والأوراق أن حماتي وعمر اتفقا قبل الزواج على الآتي
إيهام أي زوجة يختارها عمر بأن العيب منها هي.
استغلال طبيعتي الرقيقة والهادئة لتدمير نفسيتي ببطء، وإقناعي المستمر بأنني مريضة وواهمة وتعبانة، حتى أظل أدور في حلقة مفرغة من الشك الذاتي والأطباء النفسيين والنفسية المكسورة.
التردد على دجالين وأطباء معدومي الضمير ليعطوني أدوية وفيتامينات مجهولة الهوية كانت حماتي تضعها لي في العصير والطعام عندما أزورها، وهي أدوية تسبب اضطراباً في الهرمونات، وزيادة في ضر.بات القلب، وهبوطاً مفاجئاً في السكروهو ما كان يفسر حالات التعب الشديدة التي كانت تصيبني فقط بعد زيارتها!
الساعة التي كنت أتألم فيها في الصالة وأبكي من التعب، وكانت حماتي تجلس فيها مع عمر بالساعات، لم تكن مجرد ساعات حديث عائلي… بل كانت ساعات يخططان فيها للخطوة التالية من التسميم البطيء والإسكات النفسي، وكان عمر يجلس معها مستسلماً، خائفاً من أن أكتشف سره الذي يمس كبرياءه ورجولته المزيفة!
كانت حماتي تخاف إذا ذهبتُ إلى مستشفى حكومي كبير أو خضعت لفحص سموم وطوارئ شامل، أن يكتشف الأطباء المواد الكيميائية التي كانت تسري في دمي،
دموعي جفت في تلك اللحظة.
الصدمة كانت أكبر من البكاء.
تذكرت كيف كنت أخدمها بأهداب عيني، كيف كنت أتحمل إهاناتها وقولها بتتدلع وأنا أصارع المو.ت بسبب الس.موم والأدوية التي كانت تدسها لي في طعامي، وتضحك مع ابنها في الصالة بينما أنا أحتضر في الغرفة المجاروة!
الشيطانين
لم أواجههما فوراً.
تعلمت أن الغضب العارم يفسد القضايا العادلة، وأن الذئاب لا تُصاد إلا بالهدوء.
احتفظت بصور من كل التقارير والروشتات وأوراق الدجالين على هاتفي، وأرسلت نسختين منها لمحامٍ خبير في القضايا الجنائية وقضايا الأحوال الشخصية، ولدكتور سموم صديق لوالدي.
في اليوم التالي، طلبت من عمر أن ندعو حماتي للغداء في شقتنا، بحجة أنني تعافيت تماماً وأريد أن أعتذر لها عن أي تقصير وبدء صفحة جديدة.
طارت حماتي من الفرحة، وظنت أن خطتها نجحت وأنني عدت إلى حظيرة الخضوع والانكسار.
جاءت في السادسة مساءً، ترتدي ثيابها الفاخرة وتتصرّف بكبرياء كعادتها.
جلست على المائدة الإيطالية العريضة في صالتنا.
وضعتُ الطعام، ثم جلست معهما.
ساد الصمت لبرهة، حتى قالت حماتي بنبرة فيها تعالٍ وصافية
شايفة يا ندى؟ لما سمعتي كلامي وبطلتي دلع وخرجتي من السرير، صحتك ردت إزاي؟ الحريم بتوع اليومين دول بيحبوا يظيطوا في التعب عشان يركبوا الرجالة!
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، لم يريا مثلها مني طوال ثلاث سنوات.
رفعت نظري ونظرت لعين عمر مباشرة، ثم نقلت نظري لحماتي.
قلت بهدوء يفلق الصخر
صح يا حماتي… عندك حق. الحريم بتوع اليومين دول بيحبوا يظيطوا… بس المجرمين بتوع اليومين دول، بيحبوا يحطوا سم وأدوية هرمونات في العصير عشان يغطوا على عقم ابنهم!
الشوكة سقطت من يد عمر وتدحرجت على الأرض.
حماتي شحبت تماماً، وتجمدت اللقمة في فمها.
صرخ عمر برعب
ندى! أنتِ بتقولي إيه?!
سحبت الملف الأزرق الأصلي من حقيبتي، ورميته
بقوة في منتصف المائدة، بين أطباق الطعام.
قلت بصوت صارم هز جدران الشقة
التقرير ده يرجع ل 5 سنين يا عمر… تقرير عقم كامل وغير قابل للعلاج من مركز طاهر بالصعيد. والروشتات دي، روشتات أدوية الاكتئاب والمنشطات الهرمونية اللي أمك كانت بتحطهالي في الأكل والعصير عشان تجيبلي هبوط وتخليني فاكرة إن جسمي هو اللي عاجز!
قفزت حماتي من مكانها كالمجنونة، وصرخت بصوت مبحوح
أنتِ كدابة! أنتِ مجنونة وتعبانة في عقلك! الورق ده مزور! ابن راجل وسيد الرجالة!
وقفتُ بكل كبريائي، ونظرت لها باحتقار يجعل الجبال تتزلزل
الورق ده نزل منه نسخة للنيابة العامة من ساعة واحدة يا سعاد هانم! وتقرير السموم والتحاليل اللي اتعملتلي في المستشفى أثبتت وجود مادة الريسيربين ومهدئات ثقيلة في دمي بنسبة متوازية مع الأوقات اللي كنت باكل فيها عندك! أنتِ مش بس حماة قاسية… أنتِ وابنك مجرمين، خططتوا لتدمير صحتي ونفسيتي عشان تغطوا على عقص رجولته اللي خايفين يتقال عليها في البلد!
عمر انهار على الطاولة، وضع رأسه بين يديه وبدأ يبكي بصوت مهين ومذل
سامحيني يا ندى! أمي هي اللي أقنعتني! قالت لي لو عرفتِ هتسيبني وتفضحني قدام الناس والعيلة! أنا بحبك والله وماكنتش عايز أخسرك!
نظرت إليه باستمئزاز لم أشعر به تجاه إنسان من قبل
تحبني؟! تسيب أمك تدسلي السم وتسيبني بقع على الأرض وبمو.ت في الصالة وأنت وهي بتضحكوا بتتآمروا عليا وتقول عليا بتتدلع؟! أنت مش رجل يا عمر… أنت مجرد أداة في إيد ست مر.يضة بالسيطرة والغِل!
لم تنتظر الشرطة كثيراً.
خلال ساعات، وبناءً على البلاغ المقدم من محاميّ المرفق بالتقارير الطبية وتشتت عينات السموم، تم استدعاء عمر وأمه للتحقيق في النيابة العامة.
أنكرت حماتي في البداية، لكن التحقيقات، ومواجهتها بتقارير السموم، وتفتيش بيتها حيث تم العثور على باقي العقاقير والمهدئات التي كانت تستخدمها بدون روشتات طبية شرعية، أجبرت الصيدلي والدجال اللذين كانت تتعامل معهما على الاعتراف الكامل.
صدر قرار بحبس حماتي سعاد على ذمة القضية بتهمة الشروع في الإضرار العمدي بالصحة والتدليس والابتزاز النفسي، بينما تمت ملاحقة عمر بتهمة التستر والشراكة في الجريمة وتزوير الحالة الصحية للضرار بالزوجة.
حصلت على الطلاق للضرر بحكم قضائي عاجل، مع استرداد كافة حقوقي الشرعية والمالية وقائمة المنقولات بالكامل، بالإضافة لرفع دعوى تعويض مدني ضخم عن الأضرار الجسدية والنفسية التي لحقت بي طوال سنوات الزواج.
بعد مرور عام كامل على تلك الليلة المظلمة…
أجلس الان في حديقة بيتي الجديد، في بيت والدي الداعم.
الشمس دافئة، والهواء العليل يداعب وجهي.
استرددت صحتي بالكامل، وزني عاد لمعدله الطبيعي، ووجهي الذي كان شاحباً كالرماد عاد يشرق بالحياة والأمل.
عدت لممارسة عملي في مجال الديكور والتصميم، وأنشأت مؤسسة صغيرة لدعم النساء اللاتي يتعرضن للعنف الأسري والتضليل النفسي.
تعلمت الدرس الأعظم في حياتي
إن الصبر على الظلم ليس فضيلة، وأن الطيب لا ينبغي أن يكون سفيهاً أو مغفلاً.
وأن صحتي وكرامتي هما خط أحمر، لا يمكن لأي حب أو زواج أو صلة قرابة أن تتخطاه.
حماتي وعمر يعيشان الآن في قاع الخزي والندم، بعد أن أصبحا حديث العائلة والمجتمع، وانكشفت حقيقتهما المزيفة أمام الجميع.
أما أنا… فقد بدأت حياتي الحقيقية للتو، حرة، قوية، وشامخة كالرمح.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية