من ذلك بكثير. فيه مؤامرة حيكت حولي وأنا لا أدري، منذ ۏفاة أبي وأنا صغيرة، وكل من حولي كانوا يعرفون الحقيقة ويخفونها عني!
قمت من مكاني، وأخذت الورق بيدي، وقلت لأمي بلهجة حازمة لم أتوقعها من نفسي
كل اللي قلتيه لازم أتأكد منه. وأنا هنا مش عشان أعاتبكِ بس أنا جايبة حقي، وكل اللي اتاخد مني راجع لي، مهما كان الثمن.
خرجت من بيت أمي وقلبي مشتعل، وفي اليوم التالي توجهت مباشرة إلى الشهر العقاري، وبحثت بنفسي عن أوراق البيت والملكية.
وهناك اكتشفت الصدمة التالية
وجدت أن نصيبي من البيت لم يكن مجرد ورقة مكتوبة بخط أبي، بل كان موثقًا رسميًا ومسجلًا في الدفاتر منذ سنوات طويلة. ووجدت أيضًا أن هناك معاملات مالية وتحويلات تمت من حساب العائلة إلى حساب أخي الكبير، بمبالغ ضخمة، وبأوراق تحمل توقيع أمي وتوقيعي! نعم توقيعي المزور!
عندما رأيت توقيعي المزور على الأوراق، شعرت بدوار شديد وكأن الأرض دارت بي. كنت أعلم أن أمي لا تملك القدرة ولا الجرأة على تزوير توقيعي بنفسها إذًا من فعل هذا؟ ومن الذي دفعها لتصدق كل تلك الأكاذيب وتسلمه زمام الأمور؟
عدت إلى أمي في المساء، وأنا معي كل الأوراق الرسمية الجديدة، ووضعتها أمامها بصمت. نظرت إليّ أمي ثم نظرت إلى الأوراق، وبدأت تدرك أن كل محاولاتها في الإخفاء قد باءت بالفشل، وأن الحقيقة قد انكشفت تمامًا.
مين اللي زور توقيعي يا ماما؟ سألتها بصوت هادئ لكنه يحمل كل الڠضب بداخلي.
بكت أمي بصوت مرّ، وقالت
أنا آسفة سامحيني يا بنتي. هو اللي فعلها. أخوكِ الكبير. قال لي إنكِ موافقة، وإنكِ وثقتِ فيه ليدير أموركِ، وطلب مني أن أصدقه وأمضي أنا الأخرى.
ولم أجرؤ على مواجهته كنت خائڤة منه، وخائڤة أن يضيع منا كل شيء، فسلّمتُ له الأمور ظنًا مني أنه سيحفظ لكم حقوقكم كما وعدني.
وإلى الآن هو بيقول إنه بيحفظ حقوقنا؟! صرختُ في وجهها. وهو بيصرف منها، ويشتري لبناتِه ولأختي الشقق والفلوس، وأنا محرومة من أبسط حقوقي في بيت أبي؟!
هو قال إنكِ لستِ في حاجة إليها! ردّت أمي بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها. قال إن زوجكِ يعمل ولديكم بيت، وإن أختكِ في حاجة ماسة للمساعدة، وإنكِ إن أخذتِ نصيبكِ الآن فلن يبقى شيء لأحدٍ آخر! فصدقتُ كلامه وآثرتُ سلامة الجميع على حسابكِ أنتِ!
وهنا كانت خطيئتي الكبرى لقد آثرتُ راحتهم على حقكِ، لأنكِ كنتِ الأقوى في نظري، والأقدر على التحمل، فظلمتكِ ظلمًا عميقًا دون أن تشعر بي يومًا!
كلمات أمي ضړبتني في الصميم. إذًا السبب الحقيقي وراء كل هذا الظلم لم يكن حبًا زائدًا لأختي فقط بل لأنهم جميعًا نظروا إليّ وكأنني لا أحتاج لشيء، لأنني متزوجة ولدي زوج! فأصبح حقي يُنزع مني بكل بساطة ليُعطى لمن يظنون أنها المحتاجة! ولم يخطر ببال أحدٍ أنني قد أكون في حاجة ماسة لهذا المال في يومٍ ما، أو أن لي حقًا أصيل لا يُسحب مني لمجرد أنني تزوجت!
في تلك الليلة، بقيت أفكر في كلام أبي المكتوب بخط يده لو بنتي سألت عن حقها، ما تديهاش الورق قبل ما تعرف الحقيقة اللي حصلت في البيت بعد وفاتي. الآن فهمت كل شيء! أبي كان يعرف طبيعة أخي الكبير جيدًا، وكان يعرف أنه سيحاول السيطرة على كل شيء ويوزع الحقوق كما يراها هو لا كما كتبها هو! لهذا ترك ليقد خانوا الأمانة، واعلمي أنكِ وحدكِ من ستحاربين لاستعادة حقكِ، فلا تثقي في أحدٍ إلا نفسكِ.
مرت الأيام وأنا أجمع الأوراق والمستندات، وأبحث في كل دفتر قديم وكل ورقة مُخبأة، حتى أصبحت الصورة كاملة أمامي بكل تفاصيلها الموجعة.
وجدت أن نصيبي لم يُستخدم فقط لشراء شقة لأختي بل إن جزءًا كبيرًا منه قد استُثمر في مشاريع خاصة لأخي الكبير، وحقق منها أرباحًا طائلة طوال السنين، ولم يُعطني منها قرشًا واحدًا! وعندما طالبت أمي بكل ما توصلت إليه، حاولت التهرب في البداية خوفًا وارتباكًا، لكنني قلت لها بكل حزم
يا ماما، أنا مش بطلب حقي عشان أتخاصم معاكِ أو مع أحد أنا بطلبه عشان أرد حق أبي اللي سلمه لي قبل ما ېموت. وأنتِ تعرفين جيدًا إن أبي ما كانش يقبل أبدًا إن أحد يأخذ درهم واحد من نصيبي مهما كانت الأسباب.
وإذا كنتِ خاېفة من أخي فأنا مش خاېفة. حقي فوق كل اعتبار، وإن كان لازم أواجهه بنفسي فسأفعل!
كلماتي بدأت تؤثر في أمي، وبدأت تدرك أن استمرارها في الكتمان لن يفيد أحدًا، بل سيزيد الطين بلة. فقررت أخيرًا أن تقف بجانبي، وأن تعترف بكل ما حدث، وأن تُدلي بشهادتها كاملة أمام الجميع.
اجتمعنا في بيت العائلة القديم، وكان أخي الكبير حاضرًا، وأختي وزوجها، وكل من لهم صلة بالموضوع. عندما بدأت أمي تسرد الحقيقة كاملة بكل تفاصيلها، صمت الجميع، وبدت الدهشة على وجوه البعض والخزي على وجوه آخرين.
حين انتهت أمي من كلامها، التفتُّ إلى أخي الكبير وقلت له وأنا أمسك بملف الأوراق بكل ثبات
كل اللي اتاخد مني من نصيبي، وكل الأرباح اللي جات من ورا فلوسي طول السنين دي، راجعة لي. وأنا مش جايبة أتخاصم معاكم ولا أطالب بأكثر من حقي بس. لكن لو في حد بيفكر يماطل أو يتهرب فأنا عندي كل المستندات والأوراق الرسمية اللي تثبت كل كلامي، وحقي هيرجع لي ولو اضطررت أروح لآخر مكان في الدنيا.
نظر إليّ أخي بدهشة لم يتوقعها مني أبدًا، فلطالما رآني صغيرة وهادئة ولا أملك الجرأة على المواجهة.
حاول في البداية الإنكار والتهرب، وادّعى أن كل ما فعله كان لمصلحتي ولحفظ مالي، وأنه لم يأخذ شيئًا لنفسه. لكن عندما وضعته أمام خيارين إما أن يعيد لي حقي طوعًا، أو أن أرفع الأمر للقضاء وتُفضح كل الأوراق المزورة والمعاملات غير الشرعية، صمت طويلًا، وأخيرًا قال بصوت ثقيل
سأرجع لكِ حقكِ. كل ما أخذته سأعيده إليكِ، بما في ذلك ثمن الشقة التي اشتريتها لأختكِ. لكن أرجو منكِ أرجو منكِ ألا تُفضحي أمورنا أمام الناس. يكفي ما حدث بيننا.
قلت له بكل هدوء
أنا ما حبيتش أوصل للقضاء عشان خاطر ډم العائلة.
لكن لو أثبتم لي إنكم صادقون فسأكون عادلة معكم. الشقة لأختي قد اشتريتها وعاشت فيها، فلا داعي لنزعها منها. لكن باقي المال ونصيبي الأصلي والأرباح كله يرجع لي في موعد محدد، وإلا فلا تلومنّ أحدًا إلا نفسكم.
مرت الأشهر التالية ببطء وثقل، وتمت تسوية الأمور خطوة بخطوة، وكل ورقة تُستخرج، وكل حساب يُراجع، حتى استعدتُ نصيبي كاملاً كما تركه لي أبي، بل ومعه جزء كبير من الأرباح التي حُققت بفضله.
لم يكن الأمر سهلاً أبدًا، ولم يخلُ من الدموع والخلافات والكلام الچارح، لكنني كنت واثقة من طريقي، ومتمسكة بحقي الذي كتبه لي أبي بخط يده قبل ۏفاته بأيام، وكأنه يرسل لي من العالم الآخر رسالة يقول فيها لا تتنازلي عن تلك الرسالة الخفية، ليقول لي إذا وصلتِ لهذه الورقة، فاعلمي أن من حولكِ